مُفكرون في زمن الضجيج.

في عصر العولمة والانتشار الرقمي، حيث تتدفق المعلومات وتتزاحم الأصوات والصور في كل لحظة، يجد المُفكر نفسه مُحاصراً بضجيج دائم، لكنه أيضاً في مواجهة فُرصة لفهم الإنسان وعلاقته بالعالم. هذا الزمن ليس مُجرد صخب، بل هو اختبار لصمود العقل والوعي، وقياس لقدرة المُفكر على الحفاظ على استقلالية الفكر وسط الضوضاء المُستمرة. من بين هؤلاء المفكرين، الدكتور نجيب الحصادي (1952 – 2025)، المُفكر والفيلسوف الليبي، الذي كرّس حياته للتفكير النقدي والتحرر من الإجابات الجاهزة، جامعاً بين الفلسفة والعمل المُجتمعي. اختار مشاريعه البحثية بعقل فيلسوف، مُبتعداً عن المُباهاة الفكرية، ومُلتزماً بتبسيط أفكاره لغير المتخصصين. نشر أبحاثاً وكُتباً وترجمات مُهمة في الفلسفة والنقد والعلوم الإنسانية، واهتم بقضايا مجتمعه مثل الدستور والهوية والمصالحة الوطنية. برحيله، فقد الفكر العربي شخصية جمعت بين العُمق النقدي والمُساهمة العملية في الثقافة الليبية والعربية. إلى جانبه، الأديب علي فهمي خشيم (1936 – 2011)، الباحث اللغوي والمُفكر الليبي، المعروف بالعُمق، الإبداع، والرؤية، الذي جمع في مُؤلفاته بين العُمق الفلسفي والإبداع الأدبي، مع مساهمة بارزة في إثراء الثقافة الليبية والعربية وفهم التُراث والهوية الثقافية. وفي المملكة العربية السعودية، نجد غازي عبد الرحمن القصيبي (1940 – 2010)، الكاتب والشاعر والروائي والدبلوماسي الذي جمع بين الحس الأدبي العميق والنقد الاجتماعي، طارحاً أسئلة الحداثة والهوية في السياق العربي المُعاصر، حيث صدرت له رواية «شقة الحرية»، بينما عبد الله القصيمي (1907 – 1996)، المُفكر الجريء الذي أعاد النظر في المسلمات الدينية والاجتماعية، ليُصبح نموذجاً للحرية الفكرية والجرأة النقدية. ومن البحرين، يبرز محمد جابر الأنصاري (1939 – 2024)، الكاتب والمُفكر الذي ساهم في نقل الفكر العربي نحو قراءة نقدية للحداثة والسياسة والثقافة، مُسلطاً الضوء على التوازن بين الحداثة والمُحافظة على الموروث الثقافي، وترك أثراً واضحاً في المشهد الأكاديمي والثقافي العربي. هؤلاء المُفكرون يجمعهم تحدٍ مُشترك: كيف يبقى صوت الفكر واضحاً ومستقلاً وسط ضجيج العصر الرقمي؟ كيف يُحافظ الإنسان على وعيه النقدي أمام تدفق المعلومات والآراء المُتضاربة؟ إن زمن الضجيج الرقمي لم يُضعف الحاجة إلى التفكير النقدي، بل زادها إلحاحاً. فالمُفكر، سواء كان ناقداً، فيلسوفاً، أديباً، أو أكاديمياً، لا يُواجه مُجرد المعلومات المُتدفقة، بل يتعامل مع واقعٍ يُحاول فيه الإنسان الصمود والتكيف. وهنا يظهر دور المُفكر كمرآة تعكس صُمود البشر، وأحلامهم، وأوجاعهم، ومُقاومتهم للسطحية والانحراف عن جوهر الوعي. ختاماً، يبقى المُفكر في زمن الضجيج بمثابة النهر الجاري، يعبر المسافة بين الحاضر والماضي، بين الواقع والخيال، بين الضوضاء والهدوء. هو الذي يجعل من كل فكرة نبضاً جديداً، ومن كل تجربة درساً للحياة، ليظل الفكر حياً ومُستمراً، كما يستمر النهر في جريانه، رغم كل العقبات. هذا المقال يقدم نموذجاً مُتوازناً للمفكر العربي، من ليبيا إلى السعودية والبحرين، ليبرز صمود الفكر وقدرته على مُواجهة تحديات العصر الرقمي، مع الحفاظ على الإبداع والأمل. * كاتبة ليبية