سعد الغريبي نموذجاً..

حضور الحيل السردية التسويقية عند الرحالة السعوديين.

للرحالة حيلهم السردية، والحيل السردية التسويقية هي مجموعة من الأنشطة أو العمليات التي تعمل على اكتشاف رغبات العملاء وتطوير مجموعة من الأدوات التي تُشبع رغباتهم وتحقق لصاحب النشاط ما يبتغيه خلال فترة زمنية مناسبة. والحيل السردية التسويقية للنصوص الرِّحْلِيّة هي قيام مؤلف النص بمجموعة من الحيل الكتابية في كتابته بغية جذب انتباه القراء مما يجعل الإقبال على نتاجه أكثر، ويحقق له ولنصوصه ما يرجوه من التوهج والانتشار والتمدد، ويجعل الطلب على نتاجه بشكل عام أو على هذه القصة أو الرواية أو الرحلة متزايدًا.    وتنبعث في هذا المجال بعض الأفكار والرؤى المنطقية، منها أن الأدب لا يحتاج إلى تسويق أو ترويج أو زخرفة إعلامية وغيرها، فالنصوص الأدبية الجيدة السامقة تسوِّق نفسها بنفسها، وليست بحاجة إلى عمليات تسويق، بينما يجتهد مؤلفون وروائيون إلى إدراج لمسات من الحيل ليس على عتبات النص أو عنوانه أو قصته وأحداثها أو الشخصيات فحسب، بل في تطعيم متن النص السردي ببعض الحيل التي تجعل منه محور جذب وتسويق للقراء، ومن تلك الأدوات استخدام اللهجات العامية في ثنايا النص وفي نواحٍ متنوعة منه، فاستخدام العامية التي تُعد قريبة من القارئ وأقرب لمفاهيمه وعمليات عقله بشكل مباشر أكثرمن اللغة الفصيحة التي وإن كانت واضحة ومفهومة إلا أنه قد يعتري بعض تراكيبها بعض الغموض والتعقيد، أو توغل بعض ألفاظها في الإبهام أو التشكيك في معناها فتجعل اللجوء للمعجم اللغوي متوافرًا أحيانًا.   ومن الاستخدامات للهجات العامية في النصوص الرِّحْلِيّة السعودية بغية إضفاء نوع من الحيل التسويقية للرحلة أو للنص قول سعد الغريبي في رحلته “متعة الأبصار في بلاد البحار والأنهار” عندما زار أوزبكستان وأثناء التجول في شوارع (طشقند) يقول : كنت أبحث في قائمة الطعام عن طبق خفيف الهضم، لأني أعرف أن الأوزبك مشهورون بطبق (البيلاف)، وهو أشبه ما يكون بالكبسة السعودية بلحم الضأن أو الخيل، ومعروفون بتناولهم الشحم الخالص. اكتفيت من القائمة بصفحة المقبلات وطلبت طبقين من ( السمسا ) و( المانتي ). الأولى هي ماتعرف لدينا بـ (السمبوسة)، والثانية هي (المانتو)، والأخيرة من الوجبات الأوزبكية الأصلية التي وفدت علينا مع الحجاج التركستانيين. عندما يلجأ سعد الغريبي إلى ذكر أكلات شعبية مثل( الكبسة السعودية، السمبوسة)، توجد في بلاده فهو بهذه الحيلة السردية يسعى إلى التسويق لأشهر الأطباق الشعبية والتقليدية بغية الترويج لسياحة في المملكة العربية السعودية وذكرها دون تكلف في ثنايا نصه الرٍّحْلي. ومن ذلك قوله بعد خروجه من قلعة (آرك) في أوزبكستان، حيث وظف كلمة المراكيز - وهي كراسٍ تستخدم في المقاهي قديمًا - إذ يقول: بعد خروجي من القلعة عبرت الشارع العام، سرعان ما وجدت مطعمًا شعبيًا تختلط فيه رائحة الخبز الطازج بلحم الخروف المشوي، وقد انتشرت تحت ظلال الأشجار الباسقة المقاعد الضخمة التي تشبه (المراكيز) التي كانت معروفة في مقاهينا القديمة، ولا تزال تشكل جزءًا من التراث في جدة القديمة. تناولت طعام غدائي، وشربت الشاي الأخضر الذي يعد لازمة من لوازم الأكل الأوزبكي. فجاء استخدم كلمة (المراكيز) وهي الكراسي المشرّطة المصنوعة من حبال وسعف وخشب قوي، وكانت تستخدم في الحقبة الزمنية الماضية بالمقاهي وتكون مقصدًا للمسافرين والعابرين، يتذوقون فيها القهوة والتمر، وهو بهذه الحيلة السردية يسعى إلى التسويق لهذه الرحلة.  ومن تلك الحيل التسويقية التي استخدمها سعد الغريبي الأغنية الشعبية عبدالقادر يابو علم، التي كان لها واسع الانتشار في تسعينيات القرن الماضي، وهنا يروج للسياحة في سيرلانكا حيث يقول: “غيرنا مكاننا بعد العشاء إلى الملهى الليلي بالفندق. الملهى له باب من خارج الفندق للغرباء، أما نحن –ساكني الفندق- فلنا منفذ من داخل الفندق ودون رسوم. اتخذنا مكاننا. لم يكن وجهانا مألوفين من بين مرتادي الملهى، فكان أول سؤال توجهه لنا النادلة بعد أن اتخذنا مقعدينا: من أين أنتم؟! أوصلت النادلة لمسؤولي الملهى نبأ الوجود العربي فقدموا لتحيتنا وأحبوا أن يجاملونا بما يرضي ذوقنا، فأداروا لنا أغنية الشاب خالد الجزائري (عبدالقادر يابو علم)!، وهنا يبين لنا مكانة الشخص العربي عند البلدان الاخرى، كما أنه يسعى للتسويق لهذه البلد التي تمتاز بتنوعها الطبيعي، والتي تجمع بين الشواطئ الجميلة والغابات الكثيفة والجبال الخلابة، وبهذا نخلص إلى قدرة النصوص الرِّحْلِيّة على التأثير على القارئ، وجذبه بحيل لفظية، وبعبارات تسويقية لها وظيفتها التواصلية الكبيرة التي لا يتوجب الاستهانة بها في النصوص الرِّحْلِيّة، إلا أننا نعود لنؤكد على أن هذه المهارة تختلف من رحلة إلى أخرى. * دكتوراه بالأدب والنقد والبلاغة