صمت التفاصيل.

“لقد أسمعتُ لو ناديتُ حيًّا، ولكن لا حياةَ لمن تُنادي”. ليس هذا البيت استدعاءً شعرياً للتذوق، بل توصيف لحالٍ يتكرر حين تُطرح الملاحظات مبكراً فلا يُلتفت إليها. فعلى مدى أكثر من مقال، جرى التنبيه - بهدوء ومسؤولية - إلى جملة من الإشكالات المتصلة بتفاصيل إجرائية ومالية وتقنية، تتعلق بمرونة السداد، وآليات التجديد، وتداخل الصلاحيات، والفجوة بين النص والتنفيذ، وهي ملاحظات لم يكن القصد منها التشكيك في مشروع وطني، بل التحذير من تراكم التفاصيل الصغيرة حتى لا تتحول إلى عبء يصعب تجاوزه. ‎وانطلاقاً من هذا السياق، من المهم التأكيد على أن قرار مجلس الوزراء الذي جاء لضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر لم يكن هدفه سحب دور الوسيط العقاري أو تهميشه، وإنما حماية المستأجر من الزيادة غير النظامية، ومنع إخراجه من العقار إلا وفق شروط واضحة تحفظ التوازن والعدالة بين الطرفين. فالقرار في جوهره تنظيمي وليس إقصائي، ولم يُنشأ لإلغاء أحد أطراف المنظومة. ‎إلان أن التطبيق العملي في منصة إيجار اتجه - من حيث لا يُقصد - إلى تجاوز هذا المقصد، حين أصبحت المنصة تُصدر العقود وتُجددها بشكل مباشر، دون المرور بالوسيط العقاري، الأمر الذي أفرز إشكالات متعددة، من أبرزها تجديد عقود لمستأجرين سبق أن أخلوا العقار، أو استمرار عقود رغم انتقال ملكية العقار إلى ملاك جدد، بما يُنشئ التزامات لا تعكس الواقع الفعلي. ‎والفارق الجوهري هنا أن حالة العقار، وحال المستأجر والمؤجر، واستمرار الإشغال من عدمه، وتغير الملكيات، كلها معطيات تكون واضحة ومعلومة لدى الوسيط العقاري بحكم حضوره الميداني ومتابعته المباشرة، بينما تعتمد المنصة على بيانات مدخلة قد لا تعكس المستجدات على أرض الواقع. ومن هنا تتسع الفجوة بين الإجراء الإلكتروني وما يحدث فعلياً، وتظهر إشكالات كان يمكن تفاديها لو ظل دور الوسيط حاضراً في إصدار العقود وتجديدها. ‎ولا يعني هذا الطرح انتقاصاً من أهمية التحول الرقمي أو التقليل من قيمة منصة إيجار، التي أسهمت بلا شك في تنظيم العلاقة الإيجارية، وتوثيق العقود، وتقليل النزاعات. غير أن التقنية - متى ما انفصلت عن الخبرة الميدانية - قد تتحول من أداة تسهيل إلى مصدر إرباك، حين تُدار التفاصيل بذات القالب دون اعتبار لاختلاف الحالات. ‎إن الحفاظ على دور الوسيط العقاري ليس عودة إلى الوراء، بل تكامل ضروري بين التنظيم الرقمي والخبرة العملية، يضمن سلامة الإجراء، ويمنع تحميل الأطراف التزامات لا تعكس حقيقة الوضع القائم، ويحقق المقصد الأصلي للقرار دون إفراز آثار جانبية غير مقصودة. ‎وفي المحصلة، تبقى منصة إيجار مشروعاً وطنياً رائداً، قابلاً للتطوير متى ما أُعطي الواقع حقه، ومتى ما فُتحت مساحات المراجعة بهدوء ومسؤولية. فحين يتحدث الواقع، لا يكون القصد إدانة التجربة، بل حمايتها من صمت التفاصيل.