الضجيج الممتع.

تشير الساعة إلى التاسعة والنصف في صباح من أيام المربّعانية المائلة إلى البرودة ، وعلى وجه الدقة كان يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ديسمبر لعام ألفين وخمسة وعشرين . أدلف إلى حجرة الصف ، الخالبة من الطلاب والكتب ، إلا من شيء يسير من الطاولات والكراسي ، وسبورة كَتبت عليها خطة العمل للعام الدراسي ، كأنها تذكير صامت بفضيلة النظام وترتيب الجهد . مع أني موصوف بالفوضى ولعلها الفوضى الخلاّقة - وهي عادة ألفتها ؛ أن ألوذ بهذه الغرفة أتأبط كتاباً أرتب به ما تشتت من العمل ، فالقراءة فيما أحب تجدد النشاط وترد الروح إلى هدؤها . وبينما أنا منهمك في إحدى الروايات التي تصخب بالحرب والضجيج ، تسلل إلى نفسي شيء من الضيق والألم . فقمت متثاقل الخطو، أمشي الهوينى ، وفتحت النافذة لتدخل الشمس الدافئة . وإذا بضجيج ممتع، وسعادة طازجة ، تبدد كل هم حملته تلك الرواية . أرهفت السمع ، وشغّلت مسجل الصوت من هاتفي المحمول ، كأنني أريد أن أحتفظ بهذه اللحظة ، فسجّلت أجمل صخب يتسلل إلى حجرة الصف : أصوات موسيقية تنبعث من حناجر طلاب ذهبية ، تشبه الكراوين في صفائها وعفويتها. لا أريد أن أنعتهم بالأطفال ؛ فذلك الصوت يشبه معركة تُسمع من بعيد ، تذكرك بربيع قرطبة ونابليون ، لكنها معركة السعادة والأماني . نعم ، هو ضجيج يصلح خلفية لفيلم ملحمي ، لكنه هنا ملحمة الطفولة والبراءة والأماني واللاوعي والمكر البرىء . أكبرهم في الخامسة عشرة ، لم تكتمل حدوده بعد ، وأصغرهم في الثنية الثانية عشرة أو يلامسها ؛ أفكار متقاربة ، وأمان صادقة وساذجة أحياناً ، ودهاء فطري، وبراءة تختلط بشيء من الشغب والخبث ، فتمنح المشهد نكهته الخاصة . فهذا المزيج لهم طعم لذيذ ، أسمع الأصوات ولا أحيط بكل تفاصيلها ، ولا استطيع تفكيكها غير أن الصرخة القوية تطن في أذني ، والضحكة العريضة تسرّ قلبي . ذهب بي الخيال بعيداً وقريباً ؛ فتخيلت فريقاً صغيراً يتحلّق حول هاتف خفية ، يتجادلون أيهم أبرع في لعبة إلكترونية ، ومن بلغ مرحلة أعلى ، ومن أُقصي في الجولة الأخيرة فاشتعل صوته غضباً والتحدي يستمر خارج الأسوار وعبر شاشات الأجهزة . وآخرين يتباهون بحفظهم لآيات من القرآن ، يتسابقون في التسميع، ويصحّح بعضهم لبعض بجدية تفوق أعمارهم . - لأن المدرسة مزيج من التحفيظ والعادي - ورأيت مجموعة/ هذا في مخيلتي- تتآمر على زميل لهم ، لا لشرٍّ خالص ، بل لمقلب عابر، يضحكون له قبل وقوعه وبعده، غير مدركين لحدّ الأذى حين يتجاوز المزاح ؛ لأنها قد تكتد آثاره إلى ما لاتحمد عقباه . ولم يغب عن المشهد من يهمس بكلمات تنمّر خفية ، تحتاج إلى عين يقظة وقلب حكيم قبل أن تستفحل . وثمّة من يحيكون خطة لإقناع المعلم بتخفيف الواجب لأن المناوبة في الأشراف حتمت عليه التواجد في هذه الملحمة فهو كالقائد الصنديد ، أو لإخراجهم مبكرين بحجة نشاط مدرسي ، وثلة أخرى انشغلت بترتيب مباراة كرة في الفسحة ، ولا تسل عن الضجيج في تنظيم دوري القدم في المدرسة فهذا لوحده ملحمة أخرى ، يتجادلون على الحارس والهداف قبل أن تبدأ . وهناك من اعتزل الجمع كله ، يراقب من بعيد ، لا صديق له ولا خصم ، يمرّ بين المجموعات مرور العابر ، لا يستقر له قرار . كانت الأصوات ترتفع وتنخفض ، تختلط فيها البراءة بالشغب ، والصدق بالمبالغة ، والحلم بالخوف . تمنيت لو تسللت لأعيش المشهد بعيني ، لا بأذني فقط، لأدرك تلك التفاصيل الدقيقة التي لا تُلتقط إلا في لحظتها. ولم تدم هذه الملحمة أكثر من عشرين دقيقة ؛ عشرون دقيقة مليئة بالحياة والفرح واللامسؤولية بالصخب بالضحك ، وبما يشبه فوضى جميلة - لله دركم أيها الآباء-، تركت أثرها يرنّ في أذني ، كأنه تذكير بأن الطفولة، وإن قصرت ، فهي كاملة في مرحلتها ومناسبتها وزمنها .