النص ومسافة الوعي!

الكتابة – في معناها الأوسع – إحدى وسائل التعبير الإنساني عن الذات، وعن التاريخ، وعن شؤون الحياة بتجاذباتها الإيجابية والسلبية، محلياً وعالمياً ،وهي تتفاوت في مستوياتها الفنية تبعاً لقدرة الكاتب على صياغة فكرته، ونقل مشاعره، وتقديم رؤيته بأسلوب واضح يفهمه كل من “يفك الحرف” بعيداً عن التعقيد المتعمد أو النخبوية المنغلقة التي تحصر الخطاب في دائرة ضيقة لا تتسع إلا لكاتبها. فالكتابة النخبوية – حين تنفصل عن هم الناس – تفقد أحد أهم مقوماتها، وهو - التأثير- إذ يتحول النص إلى حوار داخلي لا يتجاوز صاحبه، ويصبح القارئ فيه مجرد متلقي، فالكاتب افترض مسبقاً تفوقه المعرفي واحتكر المعنى لنفسه. وللكتابة – كما قسمت معرفياً – أشكال متعددة، منها الأدبية بفروعها من قصة ورواية وشعر ونقد، ومنها العلمية القائمة على البحوث، ومنها السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية. والكاتب في كل ذلك أمام خيارين: إما أن يكتب باسمه الصريح، فيتحمل مسؤولية ما يطرح،بثقة ووضوح، مخاطباً  القارئ بصدق، فيسمي الأشياء بأسمائها، ويعبر عن قناعاته، محتكماً إلى ضميره قبل قلمه. وإما أن يكتب باسم مستعار، لأسباب قد تكون مقبولة، شريطة ألا يتحول هذا القناع إلى أداة للطعن أو الإساءة أو تصفية الحسابات، بل وسيلة لطرح رأي عام يخدم المجتمع دون التعرض للأشخاص أو المؤسسات بغير حجة أو موضوعية. فإذا التزم الكاتب – باسمه أو بغيره – بالعقلانية والإنصاف، في ارائه كان حضوره إضافة معرفية وإعلامية للوطن، لأن الآراء بطبيعتها اجتهادات بشرية، تقوم على الظن وليس اليقين، وتخضع للتغيير متى ما ظهر ما هو أصوب منها، بخلاف الثوابت الدينية والمبادئ الإنسانية التي لا تقبل المساومة. فالقارئ الواعي هو من يناقش الفكرة، ويزن الرأي بميزان العقل لا بمكانة الكاتب. أما من يلجأ عند الاختلاف إلى الطعن الشخصي، أو إلى تصنيف الكاتب بعبارات جاهزة : مؤدلج، ليبرالي، علماني، إخواني، عميل… فإنه لا يفعل سوى كشف فقره الفكري وعجزه عن مجابهة الفكرة بالفكرة. وهذا النمط – للأسف – اصبح شائعاً في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يسهل الهجوم ويصعب التفكير الصائب. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الكاتب حين يتناول سلبيات بعض الأنظمة الخدمية أو يسلط الضوء على بعض القصور فيها، فهو لا يدعي امتلاك العصا السحرية للتغيير، ولا يكتب من موقع الخصومة، بل من موقع الشاهد الحريص. وقد لا يجد تجاوباً في لحظته، لكن التاريخ كثيراً ما ينصف أصحاب الرأي الصادق ولو بعد حين. ولنا في تجربة الأديب الراحل عبدالكريم الجهيمان مثال حي، حين كتب عن أهمية تعليم البنات، فواجه آنذاك التضييق والمنع، بل أُغلقت صحيفته، قبل أن يتحول ما دعا إليه لاحقاً إلى أحد أعمدة النهضة الوطنية، فاصبحت المرأة السعودية اليوم في طليعة المتعلمات والقياديات في مختلف المجالات. ولذلك، فإن الكاتب لا يكتب دائماً ليستجاب له، بل ليؤدي شهادته للتاريخ. فإن صادف رأيه وعياً حيّاً، أثمر ، وإن قوبل بالإعراض، بقي شاهداً على زمنه، يحفظ له نزاهة الموقف وصدق النية. وحين يوجه القارئ بصره إلى النص، ويزن الفكرة دون النظر لكاتبها، إلا بالاحترام، يصبح الحوار مساحة للوعي لا ساحة للخصومة، ويغدو الاختلاف طريقاً للفهم لا ذريعة للإقصاء. فبميزان العقل والإنصاف تبنى الأوطان وتزدهر.