يسقط السقف ولا شيء سوى ذكرياتهم. .

أيتها الأحلام، خذيني الى مدينة المستحيل، الكثير من الحالمين دفِنوا هناك. أصوات المدافع التي سقطت على رؤوسهم فزّعت ذكرياتهم النائمة في القبور. الأصوات ذاتها لم تتعرف على أجسادهم، لذلك ما استفاقوا من النوم، ولم تتقلب أجسادهم على التراب. كانوا طوال حياتهم يغذون السرى كي يصلوا إلى أحلامهم المؤجلة، لكنّ أفواه الأرض تتثاءب من الملل، وتستعد لابتلاع حلمٍ آخر. يمدُّون أعناقهم سهاما نحو الغيم، وكأنَّ شهقتَهم، تُريدُ اقتلاعَ السَّماء، وهز عرش الصمت. بأجسادهم العارية، يتكئون على عصا موسى، فتنشق الأرض عن حيّةٍ، تبصق على وجوه السَّحرة، وتلتفُّ حولهم لعنة تختمر في ماء راكد. كُلَّما اقتربوا، تَكسرت الصور، وَتبخَّرَ البريقُ من العيون، حتّى صارَت الجفون ستائر كثيفة تحجب عن الاعمى وهم الصعود. ثم يسقط السقف ولا شيء سوى انفجار يضيء ذكرياتهم تحت التراب، فتتحول أيامهم الى ذرات ضحكٍ أزلي. و منذ ذلك الحين ما عادوا يتحدثون عن الحلم، بل يهمسون به وكأنه خطيئة، يدسونه تحت ألسنتهم ، ويربون أنفاسهم على الخوف. صاروا يمرّون عليه كمن يمرّ على قبره، بصمتٍ لا يجرؤ على البكاء، بكلمات لا تُقال، لأن الهواء صار مُخبرًا، والزمن، شرطياً يتربص بالحناجر. وأنا، على حافة المدينة، أجمع بقايا الأصوات من بين الرفات، أحملها بين يدي المرتعشتين، أنفخ فيها تنهيدتي الأخيرة، لعلّها تنهض من جديد، أو تنفجر بين يدي، كأنها قنبلة نُسيت منذ الحرب العالمية الأولى.