وانطفأ المصباح الذهبي.
لم تكن امرأة عادية في آخر حياتها.. كانت خليطا بين الصحة والمرض، بين الصمت والكلام .. بين الإقبال على الدنيا والإدبار.. وكان أكثر ما يلفت النظر إليها أنها شديدة القرب من الذكريات والأمكنة.. تذهب حيث مولدها ترى أرواح أهلها وأماكن لعب أخوتها .. وترى الجبال التي تنقلت وصعدت على كتفها وهي صغيرة .. تعود من تلك الأماكن وقد فاض حنينها وارتوت روحها بجمال تلك الذكريات ، فتسردها مثل كل مرة وكأنها لأول مرة تقولها .. تعود كأنها طفلة بريئة تمسك بعصا الترحال بين مفردات الحكايات القديمة ، ترويها بقلب محب لذلك الزمن ولتلك الأرواح.. في كل مرة يحدث كنا نتساءل ما الجديد؟ ولماذا كل هذا التعلق القوي..؟ ولم نفهم إلا بعد أن زارها المرض ولم تعد تطلب تلك الأمكنة، صمتت عنها وكأنها اكتفت بأن خزنتها في مخيلتها وملأت روحها بها .. بدأ ضوء الكلام يخفت شيئا فشيئا .. بدأت الروح تنساب نحو عالم آخر، والمرض يزداد فتكا .. تتجو من الموت مرات وتقترب منه مرات ..ونحن بين صلوات ودعوات بالنجاة .. خار الجسد ، وضعف النظر .. ونامت الحواس .. وتوقف الكلام ..لأكثر من شهر.. كل هذا ونحن نترقب الفرج ، ونأمل الشفاء لكن قدر الله كان فوق كل شيء .. إذ صعدت الروح لخالقها .. ونامت أمي في مرقدها الأخير من هذه الدنيا .. عندها انكسر القلب .. واهتزت العواطف.. وانسابت الدموع .. وحضرت كل الذكريات دفعة واحدة وكأنها تنخر في القلب ثقبا وراء ثقب لتزيد من الوجع وألم الفقد ..وما من فقد كفقد الأم .. وما من ألم كألم فراق الأم ، فيا أماه وإن غاب جسدك سيظل دفء قلبك يسكن روحي، ويروي أيامي القادمة بالصبر… والدعاء لك.. وسأبقى أزرع لك في كل لحظة حبا وصدقة، لعلها تصل إليك نورا ورحمة لا تنقطع، وسأذكرك في تفاصيل أيامي الصغيرة، في دعوة عابرة، وفي دمعة يذرفها الحنين.. وأمضي في الحياة وأنا أحمل أثرك الجميل زادا يعلمني كيف يكون الوفاء والحبّ الذي لا يغيب.. فدمت طيبة في روضة الرحمن، تحفك الرحمة وتغشاك السكينة، وجعل الله قبرك نورا ونعيما، وجمعني بك في جنات لا يعرف القلب بعدها فراقا ولا دموعا .