شاق جداً، وبليغٌ جداً، وشديد الندرة، أن يكون أحدٌ ما، تجسيداً بشرياً مطابقاً، لجماليات المكان الذي جاء منه! وبتوضيح أوسع: أي أن كل شيء جميل، بصفتيه المادية والمعنوية، في بقعة جغرافية ما، فأنه من المدهش حقاً أن تجد له مقابلاً واضحاً، في طباع شخص من أهل تلك البقعة، وكأنه هو – ذلك الشخص نفسه – صار المكان والإنسان، معاً، ومن يستطيع بلوغ هذه المنزلة، عالية الشفافية والنقاء الداخلي، ليكون وجهاً آخر لأرضه، فإنه بالضرورة قد خرج من كل تعصّب، وارتفع منذ زمن بعيد، عن حلبات الضغائن والأحقاد، وصغائر النفوس، وامتثل لشبهه بالأرض، لميزتها الكبرى؛ القابلية الرحبة، دون شرط أو قيد. بالنسبة لي فإن أوضح الأمثلة على هؤلاء، بحسب من التقيتهم، من خلق الله، وبحسب البلدان ومدن وقرى العالم التي زرتها، أو عشت فيها، سأقول ودونما تردد: أما المكان فهو مدينة جدة، غربي المملكة العربية السعودية، وأما الشبيه التام بها، فهو الصديق والمعلم، الإنسان الوقور، وبهاء اللياقة والأخلاق الرفيعة، الدكتور عدنان عبدالبديع اليافي. إشارة جانبية؛ عليك عزيزي القارئ، أن تقرأ – مثلاً - كتابه الرائع «جدة في أعين الرحالة»، واطلع على العجائب، في وصف هذه المدينة، بألسنة المغامرين، والأميرات، عن سحرها، وبحرها المرجاني، الذي لم يكن له أي مثيل في العالم! إذاً.. فهذه المقالة ليست سوى شهادة شخصية عنه، عن السموّ الكثير، الذي عايشته ورأيته رأي العين، إن في الحل وإن في عديد الأسفار معه، فقد كان حظي سخياً بصداقته ورفقته، على امتداد عشرين عاماً، ويجب أن أقول هنا وفوراً، وقبل أي شيء، أني جدياً أخجل من وصفه بالصديق، بينما له فضل ومقام المعلم، لكني أفعل وسأفعل، لأن المحبة جريئة، كما أن إعلان المرء بوجود مثله، في رأس ذخيرته الخالصة من رجال الحياة، مبعث للاعتزاز! عدنان عبد البديع اليافي، مواليد ١٩٥٠م، بمدينة جدة، غرب المملكة العربية السعودية، الابن الأكبر لأسرة علم وتجارة، من أعرق بيوتات جدة، التحق طفلاً بمدارس الثغر، وعقب المرحلة الثانوية غادر ١٩٦٧م إلى أمريكا، لدراسة بكالوريوس الرياضيات، ثم ماجستير إدارة الأعمال، وأخيراً تحصل على شهادة الدكتوراة، في بحوث العمليات، من جامعة تكساس ١٩٨٤م. عمل أستاذاً أكاديمياً، بجامعة الملك عبدالعزيز، ثم نائباً لمركز أبحاث الحج، قبل أن ينتقل للقطاع الخاص، مديراً لمكتب وأعمال معالي الشيخ أحمد زكي يماني، وزير البترول السابق، رحمه الله. كتب العديد من البحوث المنشورة، في مجلات علمية، عربية وأجنبية مختلفة، وشارك في دراسات كثيرة، أصدرها مركز أبحاث الحج، وله مؤلفات مهمة، في إدارة الحركة والحشود، وحقل التاريخ، وكذلك كتب الرحالة، وسواها. ومن مؤلفاته المرجعيّة: MANAGEMENT OF HAJJ MOBILITY SYSTEMS عن إدارة نظم الحركة في الحج/ كتاب الأسرة العربية – النشأة والتكوين/ كتاب المدينة المنورة في أعين رحالة غربيين/ كتاب جدة في صدر الإسلام/ كتاب جبال مكة.. قراءة تاريخية/ كتاب جدة في أعين الرحالة. وإلى.. الشهادة الإنسانية: بعد قرابة شهر، من انتقالي إلى مدينة جدة، عام ٢٠٠٦م، كتبت الأستاذة فايزة أمبا، مادةً طويلة، عني وعن روايتي «الإرهابي٢٠»، نشرتها الصحيفة الأمريكية الشهيرة، الواشنطن بوست، على مساحة صفحة كاملة، وعلى إثرها، وعبر السيدة فايزة نفسها، اتصل بي المهندس المعماري المعروف، د. سامي عنقاوي، ليدعوني لزيارته، في بيته أو تحفته المعمارية في جدة، ثم قدم لي د. عنقاوي دعوة أخرى، إلى جلسة حوارية، في بيته/تحفته، وفي ميعاد ديوانيته الأسبوعية، التي كان اسمها «المكية». بعد أيام قليلة تمت الأمسية، والتي كانت أول حضور ثقافي لي في مجتمع جديد. عقب الجلسة أخذ د. سامي يعرفني بالحاضرين، ولم يكن أول شخص بدأ بالتعريف به، جالساً في الصفوف الأولى، وإنما بتواضع جم – واكتشفت لاحقاً أنها عادته - اتخذ مقعداً في النصف الثاني، من الصالون. كان د. سامي يشير بيده، متجاوزاً كل الحاضرين، إلى إنسانٍ، بدا لي من أول لمحة شديد الوقار والتهذيب، مهندماً بطريقة أنيقة، تشي بمكانة وتحضر أصيلين، قائلاً؛ «هذا الدكتور، عدنان اليافي، باحث ومؤرخ، وصديق عمر». رفع د. عدنان يده، ملوحاً ومهلياً. يمكنك أن تلاحظ حياء هذا الرجل، حتى وهو يتلقى التحية، أو يلقيها. التقيته بعدها مراراً، بمقهى كان يسمى «البريك تايم»، في شارع التحلية، حيث كان عدد من مثقفي جدة يلتقون، بشكل دوري. كان واضحاً مدى التقدير الخاص جداً، له ولوقت وجوده، حتى إن مستوى الكلام، وطريقة المزاح، ومواضيع النقاش، كلها تتغير وترتفع، بمجرد إقباله من بعيد، تهيباً وإجلالاً. مر شهر أو شهران، ثم وفي أحد الأيام، وجه الدكتور لي دعوة، لحضور فعاليات جائزة «شاعر مكة»، في القاهرة، والتي كان يقيمها وينظمها سنوياً، معالي الشيخ أحمد زكي يماني، عبر مؤسسته «يماني الخيرية»، والدكتور اليافي، بصفته مديراً لمكتب الشيخ، كان مسؤولاً مباشراً، عن تنظيم كل ما يتعلق بأدق تفاصيل الحفل والجائزة، وعلى أنني كنت واحداً، من مئات المدعوين، إلا أن د. عدنان، عرض علىّ، بمنتهى التهذيب، أن نسافر معاً، لتكون أول رحلة في سلسلة رحلات مقبلة، سعدت فيها بإخائه الرزين، وبكل ما يقتضيه السفر من معادن الرجال، ويا كم رأيت فيها الكثير من المواقف العالية. لهذا سأتجرأ على مضايقة «أبو بديع» بإفشاء بعض ما أعرفه وشهدته عنه، وأفعل هذا للغاية الأهم، وسيغفرها لي، لأن أبناءنا، وهم يكبرون، ليكونوا شكل مجتمعنا القادم بحاجة إلى مثالٍ مختلف، عما يسود في الشاشات وتطبيقات التواصل، بحاجة أن يروا ويعرفوا شيئاً عن هؤلاء الجادين في تعلمهم وعملهم، المتحضرين في حياتهم، لا في مظاهرهم ومقتنياتهم. أفعل لأن واحدة من أكبر المعضلات، التي يواجهها جيل اليوم والغد، هي الافتقار المفزع للنموذج العالي، للمثال الإنساني الرفيع، ولا شيء يملأ هذا المكان، سوى شيوع المشاهير الفارغين. أفعل.. لعلّ ذهناً وروحاً يقظة، في فاتحة العمر والطريق، تصادف هذه الكتابة! ومن يدري. أول أسرار د. عدنان أنه اعتنق مبكراً، ومن صميمه، القيم والتقاليد العربية والإنسانية، ومرّن طباعه وسلوكه على سلوك التحضر وسمات اللياقة، ملتزماً ولوقت طويل، بالتهذيب والتعلم والتفوق الجاد، حتى تحول هذا كاملاً ليقين لا يقبل الشك، وطريقةٍ للعيش اليومي، لا يمكنه التخلي عنها، وقانوناً للخلاص الشخصي في هذه الحياة. تأثر الدكتور كثيراً بوفاة صديق عمره، محمد صادق دياب، وفي السنوات الأخيرة، بوفاة الشيخ يماني، مع الكثير من زحام ظروفه وأعماله، وعائلته؛ زوجته، السيدة الفاضلة دايان، والأبناء؛ ليلى، نسيم، عالية، وعبدالبديع، وجميعهم على قدر من التأهيل والنجاح، وارثين وعيه وتحضّره، وصفاته المهذبة. والحق لله أنني، منذ عرفت هذا الإنسان، لا في حل ولا ترحال، لم أر منه تصرفاً واحداً، خارجاً عن اللياقة، ولم أسمعه ولو لمرة واحدة يتفوه بكلمة نابية، حتى في أقصى غضبه. وإنك لا تدري كيف يمكن لأحد أن يكون رفيعاً، بهذا الشكل الحقيقي والملتزم، كل هذا الوقت! أي معدن، وتربية، وتدريب، وكبح للغضب والزلات، يمكن أن يقسو بها شخصُ ما، على نفسه، ليكون بهذا القدر الرفيع، أمام نفسه وأمام أعيننا! إن مصادفة أحد ما بهذا الأثر، نعمة ودقة لطف من الله، يفهمها المرء حين يتقدم به العمر والتجربة، ويرى إلى أيامه السالفة بعين النضج والسنين. فأي امتنان، يمكن للكلمات أن تقوله، حيال إنسان كهذا، أراد الله أن يسعفك به، وأنت في منعطف خطر من طريق حياتك، فقد كان - على الدوام - أشفق من أخ كبير، أو أبٍ مهاب، وأوسع من معلم، وأنبل وأجمل من كرام الناس. ربما يفسّر بعض هذا أن «أبوبديع» مولع كبير بالأسفار والاكتشافات منذ صغره، وربما لو وجد في زمنٍ سابق لكان ذاك النوع من الرحالة الذين يجوبون العالم من مكان لمكان، ليسجلوا حكايات البشر والبلدان. أخيراً؛ كل هذه التركيبة والمزيج الفاخر حمّلته الإحساس الواعي بوطنه وإنسانه وأرضه وتاريخه من صوب، ومن صوب آخر الانفتاح على العالم واستقبال أفضل من وما فيه، ويا لحاجتنا، يا لحاجة أجيالنا وأجيال العالم في كل مكان، لهذا المثال، لأناس من هذا النوع الفريد! * كاتب سعودي.