أدب الرسائل ..

لماذا لم نعد نجرؤ عليه؟

لماذا غاب هذا الشكل من الكتابة؟ لم يكن هذا الغياب ظاهرة تقنية بقدر ما كان سؤالًا إنسانيًا مؤجَّلًا. هل توقّفنا عن كتابة الرسائل، أم أننا لم نتعلّم يومًا كيف نكتبها؟ السؤال لا يتعلّق بزمنٍ مضى، ولا بوسيطٍ اختفى، بل بشجاعة لم تكن شائعة في أي وقت. فالرسائل التي ما زالت تُقرأ حتى اليوم، كرسائل غادة السمان وغسان كنفاني، أو رسائل فرانز كافكا إلى ميلينا يسينسكا، لم تكن انعكاسًا لعادة اجتماعية، بقدر ما كانت تعبيرًا عن جرأة فردية نادرة. لم تُكتب هذه الرسائل بوصفها أدبًا، بل بوصفها التزامًا شخصيًا مكلفًا؛ ولهذا بقيت حيّة، لأنها لم تُهادن قارئًا، ولم تفترض شاهدًا ثالثًا. ولهذا لا يبدو أننا غادرنا أدب الرسائل، بقدر ما يبدو أننا لم ندخله أصلًا. الرسالة بوصفها موقفًا فالرسالة ليست مجرد وسيلة تواصل، ولا تُكتب جنسًا أدبيًا تقليديًا، بل حالة شعورية تُقام بين اثنين. لا تُوجَّه إلى جمهور، ولا تُصاغ للعرض. تُكتب بوضوح، وتُقرأ بوصفها فعل اعتراف كامل، يواجه الآخر بوصفه حضورًا حيًا، لا فكرة مجرّدة. وحين نقرأ رسالة صادقة، لا نتابع قصة حب، بقدر ما نشهد لحظة إنسانية مكتملة، تُقال فيها المشاعر دون حماية لغوية. الرسالة ليست نصًّا يُكتب في أي وقت، بل في لحظة فاصلة. هي كتابة ما قبل القرار أو بعده مباشرة. لذلك لا تُعاد كتابتها، ولا تُنقّح طويلًا، لأن صدقها قائم على تزامنها مع الشعور، لا على بلاغتها. أن نكتب لشخصٍ واحد، وأن نسمّيه، ونخاطب ملامحه لا صورته الذهنية، هو أخطر أشكال الكتابة كلها. فهنا لا تمنحنا اللغة مسافة آمنة، بل تضعنا في موضع مكشوف. وربما لهذا لم يتكرّس أدب الرسائل في ثقافتنا؛ ليس لأنه غير مألوف، بل لأنه يتطلّب قدرًا عاليًا من الصراحة. الخوف من التسمية نحن لا نخشى الحب بقدر ما نخشى صورتنا حين نعترف به. فنحن، في حقيقة الأمر، نتردّد في تسمية الأشياء بأسمائها؛ فكيف إذا تعلّق الأمر بمن نكتب له؟ لذلك كتبنا الرواية، واحتمينا بالشعر، ولجأنا إلى المجاز، وتجنّبنا الرسالة. فالمواربة تمنحنا مسافة، والرسالة تسحبها كاملة. وحين تزول المسافة، يصبح الكلام التزامًا لا مجرّد تعبير. فالاعتراف المباشر لا يترك للغة ملاذًا. ولهذا تبقى الرسالة أكثر الأشكال الأدبية جرأة؛ لأنها تُغلق باب التأويل، وتتركنا عراة أمام ما نقول. حين لا تحتمل الرسالة الصمت ومع ذلك، فإن العربية لغة قادرة على هذا النوع من البوح؛ لغة حميمة، مرنة، تحتمل الهمس بقدر ما تحتمل الخطابة. ولعلّ أكثر ما يكشف طبيعة الرسالة، ما كُتب حين لم يكن الأدب هدفًا، ولا النشر غاية، بل كان البوح ضرورة. في مراسلات منسوبة إلى عباس محمود العقاد ومي زيادة، كتب العقاد إلى مي ولم ترد عليه، فبعث برسالة ثانية قال فيها: «أرجو أن يكون ذلك عن عمد؛ فالعقاب عندي أهون من الإهمال.» وهي جملة لا تقول شيئًا عن الحب بقدر ما تكشف موقفًا أخلاقيًا من الكتابة نفسها؛ فالرسالة، في أصلها، تطلب اعترافًا أو رفضًا، لكنها لا تحتمل الصمت، لأن الإهمال هو نقيضها الحقيقي. وربما لهذا نكتب اليوم نصوصًا كثيرة بلا مخاطَب. كلامًا متقنًا، ذكيًا، لكنه بلا عنوان. فاللغة حين لا تعرف لمن تُقال، تفقد حدّتها الأخلاقية، وتتحوّل من موقف إلى عرض. لهذا لا تموت الرسائل لأن أصحابها كتبوا جيدًا، بل لأنهم كتبوا وهم مستعدّون لتحمّل ما كتبوه. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الرسائل لم تُكتب أصلًا؛ وربما كُتبت، لكنها بقيت في الأدراج، أو تحوّلت إلى شعر، أو قُطّعت لتصبح نصوصًا بلا اسم. لأن الرسالة تفقد متلقّيها حين تُكتب بصيغة العموم، لا النداء، وحين تُوجَّه للجميع بدل أن تُواجَه بشخصٍ بعينه. لسنا بحاجة اليوم إلى إحياء أدب الرسائل، ولا إلى تحويله إلى مشروع جماعي. يكفي أن نعيد النظر في علاقتنا بالبوح، وفي المسافة التي نضعها بين ما نشعر به وما نجرؤ على قوله. فالرسالة، حين تُكتب بصدق، لا تُراهن على الاستمرار، بل على الشجاعة: أن تُقال المشاعر مرةً واحدة، كاملة، دون حمايةٍ أو تأجيل.