قراءة في نماذج من شعر الشاعرة الرائدة ثريّا قابل (رحمها الله) ..
ريادة مبكّرة وغنائية ساحرة وتجاوز جريء للتقليد وتجديد في اللغة والأوزان.
تستحق الشاعرة ثريّا قابل أن تلقب بأيقونة الشعر النسائي في المملكة العربية السعودية وجديرة بأن توصف بشاعرة الحجاز في زمانها ؛ فهي أوّل شاعرة سعوديّة تنشر ديواناً باسمها الصريح و تجمع بين الشعر الفصيح و الشعر الغنائي المكتوب بالعامية (على مافي هذا الجمع من مآخذ) أصدر ت في وقت مبكر ديوانها الأول عام 1963م في بيروت ، وقد حقّق انتشارًا واسعًا، وعرفت بأنها شاعرة القصيدة المغنّاة ؛ إذ تحوّل كثير من شعرها إلى أغاني شهيرة ترنّم بها كبار الفنانين المعروفين في المحيط العربي ، وقد زاوجت ما بين الفصحى و العامّية في لغتها كما سبق أن أشرت , وتميزت في أشعارها بالجرأة ؛ فلم تكتب باسم مستعار قط في مرحلة لم يسمح فيها اجتماعياً للأصوات النسائية بالظهور؛ ولكنها كانت متفرّدة في اقتحامها لهذا الحاجز بوصفه ماثلاً في نطاق التابو المحرّم عُرفاً، واتسمت لغتها الشعريّة الغنائيّة بالتزاوج بين اللهجة الفورية العامية واللغة الفصحى ؛علماً بأن ديوانها الأول كان بالفصحى ، إلا أنها كانت جريئة في تعامها مع اللغة و كذلك الوزن في إبداعاتها الشعرية وقصائدها المغنّاة . وشعرها ذو سمة وجدانية زاخرة بمشاعر الحب والشوق و العتب و والهجران في حقول لغوية ذات معجم عاطفي يعكس رقّة أنثوية راقية . ومع هذا كان لها تأثيرها في المجتمع ؛ إذ أسهمت في التحوّلات اللاحقة التي مكّنت المرأة الشاعرة من حضور وافر في الحلبة الإبداعية ، وعرفت بانها صوت جدة الشعري وخنساؤها في شعرها وما عانته من فقد (وهي ذات سرديّة خاصّة في هذا المجال). وصوتها الشعري في ديوانها ينطوي على اجتراح نهج نسوي مبكّر تحرّر من الأغلال ، وانطلق في فضاء الإبداع متأثّرة بخصوصية الشخصية الحجازية الفنّية والاجتماعية وتراثها في هذا المجال . وليس ثمة شك في أن الرؤية الشعرية في الديوان تنبع من الذات في غنائيّة رومانسيّة ساطعة حافلة بنبض وجدانيٍّ يخفق بجيشان عاطفي صريح ، يتّضح في قصيدتها “النظرات الثكلى “ وغيرها من قصائد الديوان ؛حيث يتقاطع الإحساس بالشوق مع الشعور بالمرارة. كان فيها السحرُ حباً يا لعمري ليتهُ ما كان عمرٌ ليتُهُ كان حطامًا في الترابْ مثلَ حبي ومن الظواهر الأسلوبية البارزة في شعرها (التكرار) للتعبير عن الشعور باعتباره تجسيداّ للحسِّ العاطفي “ألف لعنة … ألف صفعة” وصدىً إيقاعياً يترجم وقع المعاناة ، وهو إيقاع له نكهة شعبيّة متحرّرة من قيود الشعر التقليدية ؛ ولعل ذلك يعدُّ تعبيراً عن صراع داخلي مكتوم بين التعلّق بالحبيب و الشكوى منه ، مُفصحاًعن قلقٍ عاطفيٍّ نفسيٍ بالغ العمق . ولا بد من الإشارة إلى الحرية التي منحتها الشاعرة لبوحها العاطفي من حيث القيود الوزنيّة يعكس نزعتها الوجدانية منطلقة إلى فضاء بلا تخوم ، وقد وسّعت دائرتها لتشمل اللغة في مفرداتها و تراكيبها لتلامس التدفق العاطفي الفيّاض ؛ فشعرها حافل بالصريح من البوح الوجداني ، وهو ما ميّز الشاعرة وأكسبها فضيلة الريادة في تجاوز المحظورات الاجتماعية والاستيلاء على فسحة من الوجود في حضرة الإبداع الشعري دون قيود ؛ ففي قصيدتها ( النظرات الثكلى) تتجلى نزعة الحرمان والفقد والإحساس العميق بالحزن حدّ الفناء في اللحظة الشعورية على قسوتها و ضراوتها , والصورة لديها يتسق فيها الجانب الحركي مع الجانب المعنوي فيتقاطع البعدان لينتجا المعادل الوجداني الذي تريد أن تجسّده الشاعرة، كما في قولها “العين الوالهة عشقًا” و”حطام في التراب” في قصيدة (النظرات الثكلى) مما يجعل العبارة ضاجةً بالدلالة محتدمةً بالتوتّر . وهذا اللون من ألوان التعبير ينقذ اللغة الشعريّة من سكونيّة التقرير وتقليديّة المعنى ، ولعلهما سمتان من سمات النظم البارد وستاتيكيّة الإيقاع المرذول ما يُعدّ سمة مميزة عن شعرية التقليد. والشاعرة ثريا قابل - رغم احتفالها بالمفردات الشعبية الحجازية - تخرج على تقاليد الشعريّة المألوفة في القصيدة العموديّة في استثماها للمزج بين اللغة الفورية و الفصحى القريبة منها ، وهو ما جعلها تستجيب للنفس الغنائي و تتجاوب مع مقتضيات التطريب ، والمزج بين الفصيح و الشعبي يعيد تنظيم العلاقة بين رومانسية القصيدة وجاذبية الأداء الغنائي. وكان للشاعرة الفضل في الرقيّ بالقصيدة الغنائية ؛ فقد أحدثت تحوّلا في نمط التشكيل اللغوي والإيقاعي جعلها مِطواعة للتلحين والتنغيم ، فاحتلت صدارتها في النصوص الغنائيّة أشبه بالدور الذي نهض به نزار قباني في تجديده للغة الشعريّة ؛ ولكن على نحو مختلف ، وانتقلت بالقصيدة إلى فضاء اجتماعي واسع جمع بين مخلف الشرائح ؛ فضلاً عن القيمة الرياديّة التاريخيّة التي انبثقت عنها . ولعل من الضروري التوقف عند بعض النماذج المهمة من قصائد الديوان وهي قصيدة “النظرات الثكلى “ من (ديوان الأوزان الباكية) ففيها تتبدى المشاعر الأنثوية ، وتنطوي على عنصرين مهمين من سمات شعر ثريا قابل يتمثلان في الحِس بالوحدة الناجمة عن الفقد وتطامن الكبرياء نتيجة للمصاب؛ فمعجمها اللفظي يدور في فلك هذين العنصرين ، مثل ( الثكل و الحطام و الموت) مثلث الحقل التعبيريّ الغالب على معجمها الشعري ، وهو مايميّز لغتها التلقائية التي تشقُّ طريقها إلى المتلقي و مشاركته الوجدانية دون حدود أو قيود ، في ومضات لُغويّة تتمثل في تراكيب مختزلة وجمل قصيرة تتدفّق كما الينبوع كما في قولها: وفي نظراتكِ الثكلى ألف لعنة ألف صفعة واحتقارْ كان فيها السحرُ حبا كان فيها الشدو وصلا يتغنّى بدلالْ كان واليومَ ما غيرُ الحطامْ وهذا النمط الأسلوبي ينسجم إيقاعيّاً مع الأداء الغنائي ؛فضلاً عن الاتّساق الشعوري والوجداني الحميم ، وكذلك تشكيل المعادل الوجداني في الصورة الشعريّة التي تقوم على المفارقة، وعلى الرؤية التي تقلب مفهوم الحب بوصفه شعوراً إنسانياً إيجابياً إلى سبيل سلبيٍّ يقود إلى الفقد والخسران. ولعل من الواضح أن الديوان بشكل عام تتبدّى فيه ظواهر مميزة في صور تجمع بين العدول عن منطق الأشياء و الأحياء وتحليق بين شواهق الخيال و آلام الجسد لتقترب من الانزياحات الحداثية في لغة الشعر والعيون الوالهة عشقاً هي ذاتُ العيون التي تلعن الحبَّا وتصفع الأمسا وترسل من عُلاها احتقارْ يا لَعمري ليتهُ ما كان عمرٌ ومن قبيل الاحتيال لمدارة مصيبة الفقد والاستعانة لمكابدة الوجد في ظل الغياب ؛ثمة توزيع لأعباء المصاب حتى ولو بإشراك الظّل ،مداراةً للوجع و المعاناة ليتحمّل قسطاً من أعباء المصاب : “أُخبِّئُ صوتي في ارتعاشةِ الوقت حين تمرُّ الوجوهُ بلا أسماء” وتلامس الشاعرة طبيعة الأنثى في صورتها النمطيّة الشائعة فتعبر عن ذلك قي لحظة ضعف وانكسار :”أنا لستُ إلا سؤالًايجرّبُ شكلَ البكاءعلى وزنِ قلبٍ مكسور” والمتلقي يلحظ تلك الرّقّة العاطفيّة التي تحتشد في لغتها متمثلة في التشخيص الذي تتحول فيه المعاني المجردة إلى كائنات ناطقة تجسّد مشاعر الحنين والشوق في بساطة ورهافة: كم تغنَّى الحلمُ فيهِ والأماني كم شدتْ للمواعيدِ الوليدة ألفُ خفقه في القلوب العاشقة تتراكض قبلنا فتشكل بنية الحزن التي تسنتبت البكاء، تلك المفردة المحوريّة الرابضة في وعي الشاعرة ، المحرّكة لسليقتها الشعريّة المستدعية لوجدانها الحزين في إيقاعها النفسيّ الذي تترجمه معجم مفرداتها المبتلّة بالدموع . وفي قصائدها الغنائية التي صاغتها باللهجة العامية ما يعبر عن الانثيال الوجداني في تلقائية قابلة للتلحين و التنغيم ، ومثل هذه البساطة والتلقائية من سمات الأعمال الريادية التي تحسب لأصحابها. ونصوصها في هذا المجال تقتضي مقالة مستقلة تنصفها وتفي بحقها رحم الله الشاعرة الرائدة ثريا قابل وأسكنها فسيح جناته.