هل أنا متطرف؟
في الثاني عشر من فبراير من كل عام، يُطِل على البشرية “اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف عندما يفضي إلى الإرهاب” ليُذَكِّرنا بأن الخطر الذي يهدد المجتمعات لا يبدأ بالرصاصة القاتلة، بل بالفكرة النافذة. ولا يولد في ساحات المعارك، بل يتَوَلَّد حين لا ترى النفس العالم إلا من منظور واحد. إن التطرف ليس حدثًا طارئًا في التاريخ البشري، بل نزعة قديمة تتجدد بأشكال مختلفة، تتبدل شعاراتها وتبقى جذورها واحدة: الخوف، والانغلاق، وادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة. يظن كثيرون أن التطرف والتعصب كلمتان تشيران إلى مفهوم واحد، لكن حقيقتهما ليست كذلك، فبينهما فرق عميق: التطرّف هو تبنّي أفكار أو مواقف في أقصى الأطراف، مع رفض الحلول الوسط، وغالبًا يتطور التطرف إلى الإقصاء، ورفض العيش المشترك أو حتى التسامح، وقد يصل إلى حد العنف، أما التعصب فهو سلبية في الكلام والمواقف، لكنه ليس بالضرورة عُنْفًا. إنه انحياز أعمى لفكرة أو جماعة أو شخص، مع رفض سماع أو قبول أي رأي مختلف. وقد يكون التعصب مرحلةً مبكرة من التطرف. فحين تتحول القناعة إلى يقين صلب لا يقبل الشك، ويتحول الرأي إلى هُوِيَّة متوَهمة. ويتطور الانتماء إلى تعصّب أعمى، ويتحوّل اليقين إلى رفض مطلق، تبدأ رحلة التطرف الموحشة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ليس كل تَمَسُّكٍ بالفكرة تعصبًا. فهناك بون شاسع بين الالتزام المسؤول والتعصب الأعمى فالإنسان الواعي يتمسك بقيمه دون أن ينفي إنسانية غيره، ويدافع عن رأيه بالحجة لا بالإقصاء. أما المتعصِب فإنه يربط بين الفكرة وصاحبها ربطًا كاملًا، ويرى المخالف خصمًا لا محاورًا. وقف الفلاسفة الكبار ضد التطرف، ورأوا فيه عدوانًا على العقل والإنسانية. كما انتقدوا التعصب بكافة أشكاله وصوره عدا تعصبًا واحدًا هو التعصب ضد التعصب. ولم يعرف التاريخ فيلسوفًا عظيمًا مجّد التطرف بوصفه فضيلة إنسانية، بل كان دائمًا يُنظر إليه كدليل على تراجع العقل أمام الغريزة. الإنسان مفطور على حاجتين أساسيتين: الحاجة إلى الانتماء حيث يبحث عن جماعة يشعر معها بالأمان، والحاجة إلى اليقين، فيبحث عن أفكارٍ تمنحه الثبات والاستقرار. هذه الحاجات مشروعة، بل ضرورية للتوازن النفسي. وعليه تكون بذور التطرف ثاويةً في الطبيعة البشرية، لكن نموّها ليس حتميًا. الذي يحدد المسار هو نوعية التربية، وثراء الثقافة، ووجود مساحات آمنة للحوار، ونماذج قيادية تمارس التوازن بدل التحريض. التطرف هو حالة انغلاق معرفي يفقد فيها الإنسان لياقته الذهنية. إنه ليس قوة في العقيدة، بل عجز عن تحمُّل التعقيد. وهروب من الفهم إلى الإدانة. المتطرف لا يعتقد أنه يتبنى وجهة نظر، بل يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة، وأن الآخرين يعيشون في ضَلَال دامس. ناسيًا أو متناسيًا – إذا كان مسلمًا - قول الله تعالى” قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ من السموات والأرض قُل الله وإنا وإياكُم لعلى هدًُى أو في ظَلَالٍ مُبين” الآية 24 – سورة سبأ. أما من الناحية الأخلاقية، فالتطرف هو تطفيف في ميزان العدالة، وذلك حين يمنح الإنسان نفسه فضيلة كاملة، ويحجبها عن غيره. وهنا يفقد الضمير توازنه، لأن الأخلاق الحقيقية لا تُقاس بمدى إخلاصِنا لفكرتنا، بل بقدرتنِا على إنصاف من يخالفنا، وتحاشي شيطنته. ولأن كل منظومة فكرية أو دينية تحتوي على تنوع في النصوص والتأويلات، فإن المتطرف ينتقي ما يبرر غضبه، وفي الوقت نفسه يغض طرفه عما يدعو إلى الرحمة والتوازن، بل يعتبرها من النصوص المنسوخة، أو تراجع عنها أصحابها قبل أن يموتوا. التطرف لا يولد مع الإنسان، بل يتشكل عبر تراكمات نفسية وفكرية واجتماعية. فحين ينشأ في بيئة أحادية الثقافة، طائفية الهوى، عرقية المشاعر، ولا يسمع في المدرسة أو دار العبادة أو من الإعلام إلا صوتًا محذِّرًا، أوحين يعيش شعورًا دائمًا بالتهديد – اقتصاديًا أو ثقافيًا أو هوياتيًا – فإنه يبحث عن شعورٍ يمنحه تفسيرًا سطحيًا للعالم وعدوًا واضحًا يُعَلِّق عليه قلقه المزمن. فالإنسان بطبيعته مَيَّالٌ إلى تصديق ما يوافق قناعاته. وحين يتطرف فإنه يُحَوِّل هذا الميل إلى قاعدة ثابتة، فلا يسمع إلا صدى صوته، ولا يرى إلا ما يعزز قناعاته. المتطرفون، لا يُقِرُون بتطرفهم، بل لا يشعرون به. ولكنك تجدهم يبحثون عن مكملاتهم الفلسفية في دكاكين العطارة الفكرية. كثيرون يحسبون أنهم وسطيون، لكن الوسطية الحقيقية ليست ادعاءً، بل سلوكًا أخلاقيًا. إنها القدرة على التوازن دون تمييع، وعلى الوضوح دون غلو، وعلى الحزم دون قسوة. الوسطية لا تعني الوقوف في منتصف الطريق دائمًا، بل تعني اختيار العدل ولو خالف الطرفين. إن الإنسان لا يشعر بتطرفه، لماذا؟ لأنه يقيس نفسه بمعاييره الخاصة. لذا يبرز أمامي السؤال الذي يُلِح علىَّ بعناد، لِحَد الوسواس القهري: هل يمكن أن أكون أنا متطرفًا دون أن أدري؟ هناك ثمة أسئلة تفضحني، وتميط اللثام عن مدى قربي من التطرف أو بُعْدي عنه منها: هل أشعر بالغضب عندما أسمع رأيًا مخالفًا؟ وهل أُبَرر الظلمَ إذا كان ينسجم مع وجهة نظري؟ وهل أعتبر التراجع عن رأيي هزيمة شخصية؟ وهل أستمتع بإهانة المختلفين معي أكثر من محاولة فهمهم؟ الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة قد تكون مؤلمة، لكنها بداية التحرر. التطرف يبدأ حين نتوقف عن طرح الأسئلة والتسامح يبدأ حين نعترف بأن الحقيقة أكبر من قدرتنا الفردية على احتكارها.فالشجاعة الحقيقية ليست في الدفاع الأعمى عن آرائنا، بل في استعدادنا لمراجعتها. حينما يُخضع الإنسان نفسه للأسئلة الكبرى، فإنه يبدأ الخروج من كهف الانغلاق المظلم، إلى عالم الإنسانية الرحب. إن التساؤل ليس علامة ضعف في الهُوِيَّة، بل دليل نضوج في الوعي. السؤال الأكبر: هل أنا متطرف؟