لمؤلف تركي تخصص في الموسيقى العربية..

أم كلثوم في ذاكرة الأتراك.

المؤلف كاتب تركي كتب كثيرا عن الموسيقى العربية، وقد ترجم الكتاب الشاعر المصري أحمد زكريا مشاركة مع زوجته الشاعرة التركية ملاك دينيز، وهذا الكتاب يشكل إضافة مهمة إلى ما ترجمه الشاعران من مؤلفات تركية إلى العربية، ولا شك أن من مظاهر الصحة الثقافية إعادة الجسور بين ثقافتين جارتين، أدارت كل منهما ظهرها للأخرى لأسباب سياسية، بينما نرى من خلال هذه الدراسة المهمة أن كلتا الثقافتين متكاملتان بل لعلهما شكلان لروح واحدة، وكانتا تتفاعلان إيجابا عبر التاريخ. انهيار الخلافة العثمانية بتدبير القوى الاستعمارية الرئيسة (إنجلترا وفرنسا) ، تم على أيدي الجنود العرب الذين كانوا أغلبية جيش دول الحلفاء، استجاب العرب لمشاعرهم التي نفرت من الدولة العثمانية يوم غلبت عليها الثقافة الطورانية التي عادت اللغة العربية، وأرادت تتريك  العرب، ومشاعرهم هنا مبررة، لكن بريطانيا استغلتهم في نزع الشرعية الدينية عن الخلافة العثمانية، وإفساد دعوة الخليفة العثماني إلى الجهاد، الأمر الذي أدى في النهاية إلى ضرب العثمانيين بجيوش عدوة شكل غالبيتها الساحقة الجنود المسلمون من الهند، ومسلمو الجزيرة العربية الذين اعتقدوا صدق وعود البريطانيين للشريف حسين بتعيينه خليفة جديدا على العالم الإسلامي، وإعادة الخلافة من ثم إلى العرب كما كان الأمر في عصر الأمويين والعباسيين. اكتشف المسلمون الذين بذلوا الدماء الغالية للحصول على استقلالهم من الدولة العثمانية أنهم انتهوا إلى استبدال الاستعمار الإنجليزي والفرنسي بالحكم العثماني، وأن وعد بلفور جعل فلسطين للصهاينة، وتنازل عن أجزاء أخرى من الوطن العربي لتركيا. التيار القومي العربي كان مهتما بالانفصال الثقافي بين العرب والأتراك لكن مصر موطن الفنون العربية آنذاك لم تكن متفاعلة مع دعوات القومية العربية قبل العصر الناصري، بل إن حكامها من الأسرة العلوية كانوا في الأصل من الرعايا العثمانيين، وقد استعمرهم البريطانيون مبكرا، وكانت تطلعاتهم السياسية إلى الجامعة الإسلامية لتحريرهم من الإنجليز، ولذا فإن الصلات الثقافية بين الطرفين بقيت فاعلة، رغم القطيعة التركية العربية.   قد تبدو المقدمة السابقة غريبة حين نتحدث عن كتاب يستعرض علاقة الأتراك بأشهر المغنيات العربيات عبر التاريخ، خاصة وأن الكتب التي تتحدث عن الفنانين يجتذبها الحديث المثير عن الأسرار الشخصية، والبحث عن الفضائح، ولكن هذا الكتاب غير ذلك، أم كلثوم كانت علما على الفن والموسيقى العربية، والموسيقى هي إحدى معالم الشخصية المميزة للشعوب، تعبر بها عن نفسها، وهي ترجمة للوجدان الجمعي للأمم يميزها عن الآخرين، ويساهم في صهر العناصر الوافدة على الأمة لتصبح من النسيج الشعبى الذي يعزز وحدة الأمة. ولذا فإنه رغم ما يوجه من انتقاد للفنون، مثيل ميلها في بعض الأحيان إلى ترويجِ لمشاعر ومفاهيم أقرب للسطحية و التبذل الأخلاقي، إلا أنها لا زالت أحد أهم عناصر اللُحمة بين العرب جميعهم، توحد مشاعرهم، وتقوي علاقاتهم بلغتهم وتاريخهم وترفع وعيهم بدورهم الحضاري في العالم، كثير من بسطاء الناس لا يجيد أحدهم قراءة قصيدة لأحمد شوقي ولكنه يحلق مع قصيدة “ سلوا قلبي” حين تشدو بها أم كلثوم.   بعد توجه تركيا والعرب كلاهما إلى الغرب ليلحق بما فاته من تقدم مادي، بالغ الأتراك في الانسلاخ عن ماضيهم، فكتبوا حروف لغتهم بالإنجليزية، ومنعوا الموسيقى الشرقية التركية (الكلاسيكية و الشعبية)، وألحوا على تعلم الموسيقى الغربية وتذوقها، ومن ذلك قطع أواصر العلاقة بين الموسيقى التركية والعربية، فكلاهما موسيقى شرقية ، أرادوا نفيها لكي يحققوا التقدم الذي يظنون أنه لن يتحقق إلا بالتنكر لكل شيئ في ماضيه، ظلت هذه القوانين فاعلة فترة طويلة، لكن الشعب التركي لم يستطع أن يتفاعل مع هذه الموسيقى، وإن حدث أنه تذوقها فقد بقيت غريبة عنه، وبقي ما يحتل وجدانه هو موسيقاه التي لا تختلف عن الموسيقى العربية، ولذا فإن الشعب الذي بات يعاني صقيعا في وجدانه، جعله يلتفت إلى الإذاعات المصرية، يستمع فيها إلى إذاعة القرأن الكريم، الذين كان معظم المشاهير من قُرائه يتلونه على المقامات الموسيقية، فالموسيقى فن صوتي تفرعت منه الفنون السمعية، وقد حافظ الأتراك على الموسيقى الصوفية رغم منع التكايا والأربطة الصوفية عام ١٩٢٦ م، ومن ثم بدأوا يبحثون عن أعلام الطرب العربي ليرتوي وجدانهم من جفاف التغريب، فتعرف على أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، بنفس القدر الذي كان أسلافه يحضرون حفلات منيرة المهدية التى تقيمها في تركيا، وقد حضر بعضها أتاتورك نفسه. كان احتفاء الأتراك بسماع القرآن رغم منع تلاوته كبيرا، لدرجة أن البعض لاحظ أن ابتداء الاستماع إلى إذاعة القرآن الكريم من القاهرة يجعل الجالسين في المقاهي يتوقفون عن لعب الطاولة والورق ليتفرغوا للسماع.  أنشأ المؤلف موقعا خاصا بأم كلثوم يقدم معلومات بالإنجليزية، كما أنه ألف كتابا عن (وحدة الموسيقى التركية والعربية في القرن العشرين) وقد تُرجم إلى العربية عام ٢٠٢٣. يقول الكاتب في مقدمته “إن أم كلثوم هي هدية العرب إلى الشرق الأوسط، وأن شعبيتها لم تكن فقط بسبب جمال صوتها الذي لا يًضاهى، وإنما أيضا لتواضعها واعتزازها بأصولها الفقيرة وحسها الوطني الرفيع، إن أكثر الشعوب إعجابا بأم كلثوم بعد العرب هم الأتراك “. العلاقة بين العرب والأتراك لم تبدأ مع انضواء العالم العربي تحت حكم السلطان العثماني، فقد اندمج الأتراك في المجتمع العربي المسلم مبكرا، فإن الخليفة المعتصم استعان بهم - وهم أخواله- لموازنة النفوذ الفارسي، والدولتان الطولونية والإخشيدية أسسهما أتراك، والمماليك الذين حكموا مصر وما حولها وكانت الحجاز خاضعة لهم كانوا أتراكا، كانت الثقافات متداخلة ومنسجمة منذ وقت طويل. ولذا لا يرى القارئ غرابة حين يقرأ عن الموسيقيين الأتراك الذين زاروا مصر وكونوا صداقات مع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكذلك الأخبار والتحقيقات والمقابلات التى كانت تجريها الصحافة التركية معهم. والتي تفصل في أخبارهم وفي الحديث عن أنشطتهم، ولذا تجد مقالات عن أنشطة أم كلثوم في دعم المجهود الحربي ضد الدولة الصهيونية، بل وتحدثت الصحافة التركية تفصيلا عن حالات عدم الاستلطاف التي واجهتها أم كلثوم في عصر الرئيس السادات، عندما أصبحت السيدة جيهان تًدعى بالسيدة الأولى فتصدرت العمل الاجتماعي، بينما كان ذلك الموقع محفوظا للسيدة أم كلثوم من قبل.  مع نشوء السينما المصرية وانتشارها أقبل عليها الجمهور التركي وخاصة الأفلام الموسيقية التى كانت بطلتها أم كلثوم أو محمد عبد الوهاب أو ليلى مراد، وكان الحوار يًدبلج إلى اللغة التركية و لكن الأغانى كانت تذاع بالعربية، ومن الأفلام التى أقبل عليها الجمهور التركي فيلم “وداد”،” دموع الحب”، وفيلم “دنانير” الذي عُرض تحت اسم “ محظية هارون الرشيد “، ولاحظت الحكومة التركية أن اهتمام الناس بالأفلام المصرية في المناطق العربية جنوب تركيا أعاق اكتسابهم للغة التركية فعمل على منعها إلا إذا كان الحوار والأغاني كلاهما قد تم دبلجته إلى اللغة التركية. كما نشأ تعاون فني بين العراقيين والأتراك في صناعة السينما، يذكر المؤلف أسمى فيلمين تم إنتاجهما. وينقل المؤلف تصريحات عن بعض المهتمين تعبر عن خشية السينما المصرية من المنافسة بين السينما المصرية والسينما التركية.      وقد شاعت بين الأتراك أغنيات “ غني لي شوية شوية” ، وأغنية “على بلد المحبوب وديني”. كذلك قام فنانون أتراك بوضع كلمات تركية للموسيقى العربية التي تفاعل معها الأتراك. وازدهر في فترة ما فن “الأرابيسك” الذي يؤلف مقاطع عربية وأخرى تركية من خلال موسيقى عربية أو تركية تتداخل فيما بينها. وقد صدف أنني كنت انتقل بإحدى سيارات الأجرة، سمعت أغنية تنتقل فيها الأبيات من العربية إلى لغة أخرى دونما أى نشاز في الموسيقى، السائق لم يكن يعرف العربية ولكنه قال إنه أذري (من أذربيجان)، وأن هذه الأغنية شائعة عندهم.  في عام ١٩٣٢م عُقد في القاهرة “ المؤتمر الدولي للموسيقى العربية” برعاية أحمد فؤاد ملك مصر آنذاك، وقد حضره موسيقيون من كافة أنحاء العالم العربي وحضره وفد من تركيا،  تم تسجيل حوالى ٣٦٠ لحنا أمكن الحفاظ على ١٧٠ منها، وقد كان هدف المؤتمر المحافظة على الثقافة العربية في وجه التغريب، ونقلت الصحافة التركية عن أحد أعضاء الوفد التركي أن عبدالفتاح صبري باشا وكيل وزارة التعليم المصرية قد ذكر لهم أن كلمات الأغاني العربية تبالغ في كلمات الحب والغرام مما أدى إلى عدم قبول عزفها عند العائلات المحترمة التي أخذت تشجع أفرادها على التحول إلى الموسيقى الغربية، وتابع: إن الموسيقى العربية موسيقى أصيلة وإن الملك المصري يتوقع فوائد كبيرة من مؤتمر الموسيقيين هذا، تدعم ازدهار الموسيقى العربية في وجه التغريب. واضح من هذا أن التوجه في مصر كان معاكسا للتوجه التركي إلى التغريب الموسيقي، وقد استمر الحظر على الموسيقى العربية والموسيقى الكلاسيكية التركية في تركيا حتى عام ١٩٧٦م .  في تحقيق مطول نشر في تركيا عن أم كلثوم معززا بالصور قيل: إنه عادة ما ينصرف الذهن إلى جمال المغنية ويبقى فنها في الخلفية، لكن أم كلثوم كسرت هذه القاعدة، فهي لا تغني في مجالس الشرب أبدا، وإذا قدر لك أن تحضر إحدى حفلاتها في القاهرة فسترى أن جمهورها يعاملها باحترام يفوق ما يبديه الأوروبيون لقادة الأوبرا، إن أعظم إنجاز لأم كلثوم أنها أنقذت كرامة فنانات الشرق، وعلمت الجمهور أنه يجب أن يهتم بفن الفنانة لا بجسدها. وقد كتب مقال في إحدى الصحف عن مأدبة أعدتها أم كلثوم لمجموعة من الفنانين الأتراك تحدثت فيها بحفاوة عن الأسطوانات التركية التى تحرص على سماعها والاحتفاظ بها، وذكر المقال أن لها طريقة مميزة في الضحك والتعليق. وقد دُهش الكاتب عندما أجابت أم كلثوم على سؤال له عن الموسيقيين الأتراك المفضلين لديها فأوردت أسماء خمسة من الفنانين الأتراك، قالت: «منير نور الدين بك، صفية هانم، مُزيَّان هانم، بريهان هانم، أحمد يطمان».  عام ١٩٦٩ أقيم حفل موسيقي عالمي بمناسبة مرور ألف عام على تأسيس مدينة القاهرة، قدم الوفد التركي أربع حفلات حضرت أم كلثوم ثلاثا منها، ودعت الفرقة التركية إلى مأدبة في منزلها، و كان مترجم الفرقة التركية هو أكمل الدين إحسان أوغلو الذي أصبح فيما بعد أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامى.   والتفاصيل كثيرة و مهمة، وهي تظهر في النهاية ما يتمتع به العرب من قوى ناعمة كفيلة بتنمية العلاقات التاريخية القديمة وتعزيزها رغم كل الهزات والحواجز العسكرية والسياسية التى ساهم أعداء العرب والأتراك في صنعها .