سَــيف اليَـقيــن..!
♦ بين «الغامـديَّـيـن» الأديب الراحل (عبدالعزيز المشري1955ــ2000) و(د/حمـد بن جروان ــ1987)أكثر من نقطة تقاطع..انطلاقاً من المَـنبت/مسقط الرأس «الباحـة» وانتهاءً بعلوِّ الهمّـة وطيب المُجتنَى ، ومروراً ـــ فيما بين هذا وذاك ـــ بتفاصيلِ سيرةِ مكابَدةٍ قَـلَّ نظيرها صبراً ومثابرةً وقيمةً في الأثـر جمالاً ومنفعة، ولكل منهما تأثيرٌ لايُنكر على كل من تأمل تجربتيهما الثرية المُلهمة ، و(أنـا) دون شك من ذلك الــ»كل»!. ♦ أمّـا عن «الأول» فما لمستُ تهاوناً من صوتٍ واعـدٍ بين طالباتي أو متابعي زاويتي في مجلة (اليمامة) تَذرُّعاً بموانع واهية إلَّا ووجهته إلى سيرة المشري..إبداعـهِ..تفـرُّدهِ..قاصّاً..روائياً..مُحرِّراً صحافياً..خطاطاً.. فناناً تشكيلياً..إلخ مااغتنى به عطاؤه وأغنى به ساحتنا الأدبية والفنية ، اعتمدتُ هذا الإجـراء مُذكِّـرةً أولئك المتردِّدين المسـوِّفين بأن أديبنـا الفـذّ ــ رحمه الله ــ قد أنجز أعماله المميزة/الغزيرة في خضم معاناته القاسية من أكثر من اعتلالٍ صحيٍّ مُعيقٍ مُعيق!.، فقد أُصيب بمرض «السكّري» في وقت مبكر من حياته وأدت مضاعفات المرض إلى التأثير على بصره وعلى قدرته على الحركة الطبيعية ومن ثم إلى الفشل الكلوي ومعاناة آلام (الديلزة/غسيل الكلى) 3 مرات أسبوعياً لفترة ليست بالقصيرة؛ وقد أُجريت له عملية زراعة الكلى عام 1993م مما أعانه على الاستمرار في إنجاز أعماله التي لم يَهجرها قط.. إلا أن مضاعفات السكّري/الغرغرينا تحديداً استهدفته بضراوة بُتِـرت جرّاءها إحدى أصابع اليد اليسرى ثم القدم اليمنى ثم امتدت سطوتها لتؤدي إلى بتر ساقه اليسرى كاملةً..بل من أعلى الفخذ كما ذكرتْ بعض مصادر سيرته رحمه الله رحمةً واسعة!. ♦ كتبتُ عن «المشري» من قبل..عن بعض أعماله..عن أَسْـر سيرته (الذاتــ ... إبداعية) واستئثارها بي هاجساً ووعياً في (مُكاشفات السيف والوردة) لزمنٍ ممتد لم يزل بي من أُنسـهِ انثيـال شَجَـن ومن بؤسـه تَـوَالِي حُبـور!. وقلتُ حينئذٍ وأُعيدها الآن.. لم نزل ـــ مهما كتبنا ـــ مقصرين في حقه أفراداً بل وعلى المستوى الرسمي أيضاً ؛ إذْ لا شك في أن هذه الشخصية الاستثنائية جديرة بأن تنال نصيبها من الاحتفاء والتقدير ، وأن تظل حاضرة الوجود ممتدة التأثير في الجيل الحالي من مبدعينا الواعدين ؛ ولديّ بهذا الخصوص مقترح لتسمية إحدى جوائز وزارة الثقافة باسمه ، وهي جائزة تستهدف فئة معينة من المبدعات والمبدعين السعوديين، سأسعى ـــ بمشيئة الله ـــ إلى بلورة تصوري بشأنها بالتعاون مع (جمعية الأدب المهنية). ♦ أما عن الثاني من بين «الغامديّين» د/حمد بن جروان «سفير جمعية مكافحة السرطان» فقد كانت حساباته على مواقع التواصل واللقاءات التي أُجريت معه ومن ثم نتاجه المطبوع مرجعي ـــ بعد عون الله ـــ في التماس السبيل الأمثل لمساندة مَن ابتُـلي بهذا المرض من مَعارفي،..من بينهم أقرباء لي وآخرين وأخريات جمعتني بهم زمالة العمل أو صداقة الحرف، كان من وسائلي في تبصيرهم بطبيعة ما هم مقبلون عليه من تداعيات «السرطان» ومضاعفاته وبكيفية التعامل معها والتفاؤل بجدوى العلاج في الشفاء منها ومن آثارها ، يسبق فيها «العلاجَ الطبي» الدواءُ الأهم والأنجع.. ؛ وأعني هنا العلاج (الروحي ـــ النفسي ـــ الاجتماعي)..الذي يستمد طاقته من الرضا بما قسم الله، واليقين بأن آراء الأطباء مهما جزموا بحتميَّـتها تتهاوى في مواجهة قدرة العلي العظيم ، الأعمار بيد الله ، والابتلاء منه سبحانه، وبقدر رضا المريض وتقبُّله وتعامله الإيجابي وصبره في تحمُّل مراحل العلاج فالتعافي قريب والنهايات سعيدة ، الحياة ستستمر وصبره سيُثمر ومعايشة المرض سبيله الأوحد للتقدم في تحقيق أحلامه، «السرطان» ليس قريناً للموت كما أن تمام الصحة ليس مُنجياً منه!.أجل..للدكتور (حَـمَـــد) من اسمه النصيب الأوفر ، ومن ثمار رحلته استقيتُ ونقلت كل ما تدل عليه الأسطر السابقة، ولهُ عليَّ وعلى كثيرين سواي فضلٌ كبير. ♦ كان د/حمد على مشارف إنهاء دراسته الجامعية في تخصص الرياضيات بجامعة الطائف حين اكتُشِفت إصابته بورم الساركوما الخبيث الذي بدأ من الأنسجة..الظهر..ثم تفاقمت إصابات الأورام لتصل إلى البطن «الرئة والكبد»..إلى أن بَلغتْ أَوجعَ مَوطنِ أَلَـم/الدماغ! ؛ وذلك على امتداد 15 عاماً أُجريت له خلالها عدة عمليات جراحية بموازاة العلاج الإشعاعي والكيماوي داخل المملكة وخارجها ، ولم تكن تمر به مرحلة اكتشاف ورم جديد إلا وقد سمع بالتلميح حيناً وبالتصريح أحياناً (..أنْ لاعلاج لك..توقف عن المحاولة..وانتظر موتك!). ♦ للدكتور حمد أكثر من إصدار، بين يديّ كتابه (صعود من الهاوية) الذي يتناول فيه تجربته بتفاصيلها..تحدياتها..بمآلات اختياراته فارساً محارباً خلال هذه المكابدة؛ وحسبنا أن نتأمل في تَـرقِّيـهِ علمياً إذ أكمل مرحلة البكالوريوس وعمل في أكثر من وظيفة و حصل خلال تلك الفترة على الماجستير ومن ثم حصل على الدكتوراة متنقلاً بين أكثر من مدينة سعودية وبين عدة دول خارج المملكة..(الطائف ــ الرياض ــ القريات ــ تبوك ــ نيوزيلندا ــ الأردن ــ ماليزيا ــ تايلند ــ أمريكا..!). ...أيُّ طاقـةِ يقيــنٍ هـذه ـــ ماشاء الله ـــ وأيُّ نفسٍ كبيرة تعب في مرادها جسمه دون أن ينال منها التعب وتُرديها شقوة الطريق؟!. (1) ♦ فارسُـنا شاعـرٌ أيضاً ، وفي شعره كما في كتابه الذي بين يديّ قدرة لافتة على التناول الرشيق بمسحة أدبية لاتخلو من مشاكسة ساخرة، وهذا الجانب أيضاً مما يلتقي فيه مع المشري ، سخرية لا تَتسخَّط القَـدرَ..بالتأكيد لا .. وإنما تُرحِّب بــ «الوجـع» بطرائقها الخاصة، تتحين فرص استثمارها في تحمُّل الألم والاستمرار في العطاء/الإنجاز ، وفي إشاعة البهجـة..أجل..»البهجـة» بين كل المشفقين المحبين الذين يترقبون منه كلَّ نَـفَـس ويحذرون عليه من كل عارِض!. ♦ ( المرض ـــ المرضى ـــ الزوَّار ـــ مقترحات التَّداوي حتى الطريف منها ـــ المرافقون ـــ الأطباء ـــ المستشفيات..) وغيرها كثير مما التفت إليه د/حمد وعبّر عنه بوجازةٍ تُغني ولاتُثقل، تُؤنس وتُعين كل ذي تجربةٍ مقاربة لتجربته.. هذا ماتتسم به موضوعات كتابه هذا وقصائده المطلَّة من منافـذ نشرٍ متعددة. ♦ أقسى الحـروب وأحوجها لاسـتدعاء الحكمة ما لا نَصرَ يتحقق فيه إلَّا بِــ ..إغماد «سيفك»..جنوحك للسِّلم..ترويضك لخصمك..سَوقِـكَ له لوجهةٍ رحبة يفاجئُك فيها من المغانم أضعاف ما كنتَ تؤمِّلهُ ضاجّـاً مصادِماً! ..ذلك ما هَـدى اللهُ إليه «المشري» رحمه الله ؛ وما أنعم به على د/حمد بن جروان الذي أسأل الله العلي القدير أن يجمع له بين عاجل الشفاء وعظيم الثواب وأن يجزيه عن كل مَن أخذ بأيديهم خير ماأكرم به أحداً من عبادهِ فضلاً وأجراً وعلوّاً في المنزلة دنيا وآخرة. ____ (1) يَصدُقُ عليه وصفُ “المتنبِّي”: وإذا كانت النُّفوسُ كِباراً تعبتْ في مُرادها الأَجسامُ!