القلطة وشكل المعنى!

طرح الباحثان القديران د. عواض القرشي ود. عبد الله الزبيدي دراسة جادة وبحثا مميزا عن فنّ القلطة، أو فن المحاورة، بعنوان (رحلة القلطة من المعنى إلى شكل المعنى) وقد ابتكرا طريقة رصينة تنير طريق المعنى الرمزي المخبوء في هذا الفن وكيفية تلقّيه، وتعدّ هذه الدراسة، في نظري، من أكثر الدراسات رصانة في صناعة إطار منهجي لفهم طبيعة هذا الموروث في بناء معانيه ومبانيه، أو بحسب ما تقترح الدراسة: المعنى وشكل المعنى. وتقوم هذه الاستراتيجية في تلقّي هذا النوع من الشعر على الانتقال من المعنى إلى شكل المعنى، بدءا من أفق المعنى، الذي يرسمه شكل المحاورة في بنائها، وما يقوم به الشعراء هنا هو السير في أفق المعنى من خلال التناغم مع شكل المعنى في الحوار الشعري، وذلك بطرق مختلفة: المسايرة، المصادفة، أو فقدان بوصلة الطريق والدخول في متاهة يفتقد فيها الشاعران أو أحدهما الطريق إلى المعنى فيحدث عن ذلك خلل في بناء الحوارية الشعرية بناء متسقا مع نظام حركة المعنى بدءا من المطلع ترحيبا أو تسليما.  ويمكن من خلال هذه الاستراتيجية قراءة أي محاورة شعرية قراءة ضابطة لشكل المعنى من خلال البناء الحواري بين الشاعرين فتلا ونقضا.  وبهذه الطريقة لا يعود المتلقّي في حاجة إلى أن يتكلّف البحث عن المعنى المباشر، أو يسأل عن الحدث، إذ تبدو المحاورة الشعرية له نصا رمزيا مفتوحا يمكن أن ينفتح لأكثر من قراءة بحسب نجاعة أدواته، وقبل ذلك نجاعة الشاعرين في رسم الطريق إلى المعنى من خلال ضبط شكل المعنى. ما كانت هذه الدراسة جديرةٌ به، فيما ظهر لي، هو طرح نماذج للتحليل النقدي بشكل مفصّل، حيث اقتصر الباحثان على نماذج للعرض والتوضيح، أكثر من التحليل ومتابعة خط سير المعنى في تشكّله للوصول إلى بناء شكل المعنى لتكون الدراسة التطبيقية موازية للجانب النظري في الدراسة.  وبرغم ذلك تبقى هذه الدراسة دراسة نقدية جادة في الطريق إلى صناعة أفق منضبط يزيد فن المحاورة تقانةً في الصناعة ومتعةً في التلقّي، من خلال استراتيجية بصيرة بمضايق هذا النوع من الموروث الشعري. صدرت الدراسة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، جمادى الآخرة 1447هـ - ديسمبر 2025م.