أسبوع الكتب الممنوعة.

أثبتت حقائق الحياة الفكرية منذ القِدم، أن أكثر الكُتب انتشاراً هي تلك التي تتعرّض للمنع والمُصادرة، ولم تنجح تلك القيود يوماً في حجب فِكرةٍ أو الوقوف بوجه انتشارها.. وبالتجربة ثبتَ أن مُحاربة الأفكار لا تكون إلا بأفكارٍ أُخرى، وخير ما يواجه العقول إنما هي عقولٌ مُشابهة ترُدّ وتُناقش وتٌحاور وتُجادل بالتي هي أحسن. وهناك أمثلة كثيرة وقعت لإثبات ذلك، ومنها حادثة قديمة في الأدب العربي تعود لأكثر من ألف عام، وهي مثال “المُتنبّي” في قصيدته الشهيرة ضد “كافور الأخشيدي”، والتي كان مطلعها: عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ فقد هرب “المتنبي” من “مصر”، وترك هذه القصيدة الهجائيّة في منزله.. ومع أن “كافوراً” كان حاكماً قويّاً لمصر، وحاول أن يبحث عبثاً عن الشاعر، إلا أنه لم يعجز عن مُطاردته والقبض عليه فحسب، بل عجز عن وقف انتشار القصيدة التي لم يترك “المتنبي” منها في “مصر” سوى نسخة واحدة، ولكن هذه النُسخة أصبحت آلافاً من النُّسخ، وانتشرت القصيدة وحفظها الناس في عصرها، وما زالت إلى اليوم قصيدةً محفوظة ومشهورة! والمثال الثاني جرى في وقتٍ أقرب كثيراً، وذلك حين أصدر الدكتور “طه حسين” منذ مائة عام في سنة 1926 كتابه المعروف “في الشّعر الجاهلي”، فكان هناك من طالبوا بمُصادرة الكتاب ومُحاكمة المؤلّف، ولكن المُثقّفين أنفُسهم رفضوا فكرة المُصادرة والمنع، وتصدّوا للمؤلّف يناقشونه بالبراهين والحُجج بقوّة، وصدرت على الفور ما يقرب من عَشرة كُتبٍ تردّ على الكتاب وتُفنّد ما جاء فيه من آراء. من بين هذه الكُتب: “تحت راية القُرآن” للأديب الكبير “مصطفى صادق الرافعي”، و “مصادر الشّعر الجاهلي” للدكتور “ناصر الدين الأسد”، والأستاذ “محمود محمد شاكر” في مقدّمة كتابه عن “المتنبي”، وغيرهم.. وفي مواجهة هذه الموجة العاتية من الآراء والأدلّة الواقعية الدقيقة ضد رأيه، اضطُرّ “طه حسين” إلى سحب الطبعة الأولى من الكتاب، ثم قام بإجراء تعديلات مهمّة فيه، وغيّر عنوان الكتاب الأصلي من “في الشّعر الجاهلي” إلى اسمه المعروف “في الأدب الجاهلي”. ولكن الرأي السائد هو أن المؤلّف لم يُغيّر جوهر نظريّته في الشعر الجاهلي، وهي النظرية التي أشبعها الباحثون نقداً وتفنيداً، وكشفوا عن جوانب الخلل والخطأ فيها، وكشفوا أيضاً أن نظرية “طه حسين” هذه إنما هي في الأصل نظرية المُستشرق الأوروبي “مارجليوث”.. وكانت هذه الردود العلمية على الكتاب أفضل وأنفع للعقل العربي من قرارٍ يتّخذه موظّفٌ -مهما علا شأنه- بمُصادرة الكتاب. أما المثال الثالث فكان في عام 1968، عندما صدر قرار في “مصر” بمُصادرة قصيدة “نزار قبّاني “ المعروفة: “هوامش على دفتر النكسة”، والتي كتبها من وحي انفعال الأُمّة العربية من هزيمة 1967. وفي فترة المُصادرة التي تعرّضت لها، كانت القصيدة تنتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم، وذلك لأن الناس كانت تنسخ القصيدة بخطّ يدها وتنقل نُسخاً أُخرى يوزّعونها على أصدقائهم. إلا أن مُصادرة القصيدة لم تستمر طويلاً، فبعد أن غضب الشاعر وانفعل من قرار المُصادرة، وخاصّة من جرّاء الحملة الإعلامية الضخمة التي كان يشنّها عليه عددٌ من الكُتّاب في مصر، ارتأى بعد مشورة من بعض أصدقائه المصريين أن يكتب رسالة مباشرة للرئيس “عبدالناصر”، فكان للرسالة تأثيرها السريع بإبلاغ وزير الإعلام للشاعر بإلغاء قرار المُصادرة. على أن القرار الرئاسي مع ذلك، جاء بعد أن أصبحت القصيدة في فترة منعها موجودة في أيدي الناس على نطاقٍ واسع! وكما يحدث في الشرق يحدث كذلك في الغرب، فمع أن دوَلهُ ترفع شعار “الحريّة والديمقراطية وحقوق الإنسان”، إلا أنه من المُدهش أن عدد الكٌتب التي مُنعت أو صودرت أو تعرّضت لمُلاحقاتٍ قضائية، في “الولايات المُتّحدة” مثلاً، منذ الثمانينيات بلغت أكثر من 11 ألف عنوان! ولذلك يُقام في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر من كلّ عام، احتفالية “أسبوع الكُتب الممنوعة” Banned Books Week، التي انطلقت في مدينة “شيكاغو” عام 1982، بمُبادرةٍ من “مكتب الحُريّة الفكرية”” التابع لرابطة المكتبات الأمريكية، وهي مؤسّسة أهلية تضُمّ 62000 عضواً من الأشخاص والجهات المعنية بتحسين الخدمات المكتبية والمعلوماتية، ثم صارت تُقام في “نيويورك” وغيرها من المُدن الكُبرى. وخلال أسبوع الكُتب الممنوعة، تُعرض بعض الكُتب الممنوعة مع شرح أسباب منعها، ويقوم المؤلّفون بقراءة مُقتطفات من تلك الكُتب، وتُعقد ندوات حوارية حول أهميّة القراءة وحُريّة التعبير والاطّلاع.