بعد هيمنة الذكاء الاصطناعي… هل سيتحوّل الكاتب الإبداعي إلى محرّر فقط؟

مع التسارع المتواصل في قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، يجد الكاتب الإبداعي نفسه أمام تحوّل عميق في طبيعة المهنة ، فلم تعد الأدوات الرقمية مجرد وسائل مساعدة في التدقيق اللغوي أو البحث، بل أصبحت قادرة على توليد أفكار، واقتراح عناوين، وصياغة نصوص كاملة خلال لحظات ، هذا الواقع الجديد يثير تساؤلًا مشروعًا: هل سيتحوّل الكاتب الإبداعي إلى محرّر يراجع ما تنتجه الخوارزميات بدلًا من أن يكون صانع النص الأصلي؟ من زاوية أولى، يبدو هذا الاحتمال واقعيًا جزئيًا ، فقد بات كثير من الكتّاب يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتوليد مسودات أولية أو لاستكشاف زوايا متعددة للموضوع الواحد ، ومع تزايد ضغط الإنتاج وتسارع وتيرة النشر، قد تميل بعض المؤسسات الإعلامية إلى اعتماد نموذج «التحرير الإبداعي»، حيث يصبح دور الكاتب أقرب إلى مدير محتوى يوجّه النص ويعيد صياغته بدل كتابته من الصفر ، هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع قيمة الكاتب، لكنه يشير إلى تغيّر في المهارات المطلوبة، إذ تبرز أهمية القدرة على الاختيار والتقييم وإعادة البناء. غير أن النظر إلى الكاتب الإبداعي بوصفه محرّرًا فقط ينطوي على تبسيط مفرط لطبيعة العملية الإبداعية ، فالكتابة ليست مجرد تركيب لغوي يمكن استنساخه بسهولة، بل هي فعل تأملي يتصل بالتجربة الشخصية والوعي الثقافي والرؤية الفكرية. قد ينتج الذكاء الاصطناعي نصوصًا مقنعة شكليًا، لكنه يعتمد على أنماط سابقة ولا يمتلك إحساسًا حقيقيًا بالمعنى أو بالسياق الإنساني ، وهنا يبرز دور الكاتب بوصفه مصدرًا للأصالة والتأويل، لا مجرد منقّح للنصوص. الأرجح أن المستقبل سيشهد نموذجًا هجينًا، يتحول فيه الكاتب إلى «مهندس إبداعي» يجمع بين الإنتاج المباشر والتوجيه التقني ، وفي هذا النموذج، تصبح مهارات التفكير النقدي، وصياغة الأسئلة، وبناء رؤية متماسكة أكثر أهمية من المهارات التقنية البحتة ، فالكاتب لن يختفي، بل سيعيد تعريف علاقته بالأداة، كما حدث سابقًا مع ظهور الحاسوب والإنترنت. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في منافسة الآلة، بل في الحفاظ على المعنى الإنساني للكتابة داخل بيئة رقمية متسارعة ، فحين يختار الكاتب ما يستحق أن يُكتب، ويمنح النص نبرته الخاصة، ويطرح الأسئلة التي لا تستطيع الخوارزميات طرحها، يثبت أن دوره يتجاوز حدود التحرير ، فقد تتغير الأدوات وتتبدل مراحل العمل، لكن جوهر الكتابة الإبداعية — بوصفها فعلًا إنسانيًا يسعى إلى فهم العالم — سيبقى مرتبطًا بالكاتب نفسه، لا بالخوارزمية التي تساعده.