ثريا قابل..

الكلماتُ التي تُشبه الإنسان (!)

لم تكن ثريا قابل تكتب لتُقنع أحداً، ولا لتبرّر وجودها في مشهد مزدحم بالأصوات. كانت تكتب لأن الكلمة عندها ضرورة داخلية، لا خياراً جمالياً. ولهذا، حين نعود إلى نصوصها اليوم، لا نشعر أننا نقرأ أثراً زمنياً، بل نلامس إحساساً لا يزال حياً، لأن الصدق لا يموت. كانت جريئة، لكنّ جرأتها لم تكن ضدّية. لم ترفع الشعارات، ولم تتعمّد كسر السائد من أجل الكسر ذاته. جرأتها كانت في الاختيار: أن تقول ما تشعر به كما هو، بلا تزيين لغوي، وبلا التفاف ذهني. وهذا، في زمنها، كان فعلاً شجاعاً. جاءت ثريا من جدة، من بيئة تعرف البحر، وتعرف الانفتاح، وتعرف التعدد الإنساني قبل أن يُسمّى. المدينة نفسها كانت جزءاً من تكوينها: صوتها، إيقاعها، وذاك الميل الفطري إلى الحياة كما هي، لا كما ينبغي أن تُعرض. في هذا المناخ، تشكّلت لغتها: واضحة، دافئة، خالية من التعقيد المتكلّف، لكنها مشحونة بإحساس مباشر. حين كتبت الشعر، لم تبحث عن المفردة النادرة، ولا عن الصورة المدهشة بمعناها التقني. كانت تبحث عن الكلمات التي تشبه الإنسان. العبارة التي يمكن أن تُقال، وتُغنّى، وتُحفظ، وتُستعاد دون شرح. ولذلك دخلت كلماتها القلب بسهولة، لأن الطريق إليها لم يكن مزدحماً. بساطة لغتها لم تكن فقراً، بل اختياراً واعياً. كانت تعرف أن البساطة الصادقة أصعب من التعقيد، وأن الوصول المباشر إلى الوجدان يتطلب شجاعة أعلى من تلك التي يتطلبها الاستعراض البلاغي. ولهذا، بدت قصائدها قريبة، لكنها غير سهلة التقليد. سهلة القراءة، عصيّة الاستنساخ. جرأتها ظهرت أيضاً في كونها كتبت باسمها. في وقت كانت فيه كثير من الأصوات النسائية تختبئ خلف أسماء مستعارة، اختارت أن تتحمّل تبعات الاسم كاملاً. لم تفعل ذلك لتلفت الانتباه، بل لأنها لم تر سبباً للاختباء. كانت ترى الكتابة امتداداً للحياة، والحياة لا تُعاش بأسماء مؤقتة. لم تكن ثريا شاعرة صالونات، ولا ابنة خطاب نخبوي. كانت قريبة من الناس، من مشاعرهم اليومية، من الحب كما يُعاش لا كما يُنظّر له، ومن الفقد كما يُوجِع لا كما يُفلسَف. لذلك، حين تحوّلت قصائدها إلى أغنيات، لم تفقد روحها. لم تنتقل من الشعر إلى الغناء، بل وجدت بيتاً آخر. في تجربتها الغنائية، ظهرت قدرتها على الإمساك باللحظة الإنسانية العابرة وتحويلها إلى ذاكرة. كلمات تُقال مرة، ثم تعيش طويلاً. وهذا سرّ نادر: أن تكتب نصاً يبدو بسيطاً، لكنه يرافق الناس في أعمار مختلفة، لأن ما فيه لا يرتبط بزمان محدد، بل بحالة شعورية مشتركة. لم تكن ثريا معنية بأن تُصنَّف. لم تدخل في معارك تعريف الشعر، ولا في سجالات الشكل. كانت تكتب وتترك النص يذهب حيث يشاء. هذا التحرّر من القوالب منحها مساحة صدق واسعة، وجعل صوتها مميّزاً دون افتعال. في حضورها الثقافي، سواء في الصحافة أو في المشهد العام، ظلّ هذا الاتزان واضحاً. لم تكن صدامية، لكنها لم تكن مهادنة على حساب قناعتها. كانت تقول رأيها بهدوء، وتعرف متى تتكلم ومتى تترك النص يتكفل بالباقي. وهذا النوع من الوعي نادر، لأنه يحتاج إلى ثقة لا تعتمد على التصفيق. ما يلفت في مسيرتها أنها لم تركض خلف الاعتراف. الاعتراف جاءها لأنها كانت حاضرة بصدقها. وحين جاء، لم تغيّر جلدها، ولم تعِد صياغة نفسها لتناسبه. بقيت كما هي: لغة واضحة، إحساس مباشر، وموقف لا يحتاج إلى رفع صوت. ومع مرور السنوات، لم تتعامل مع تجربتها بوصفها منجَزاً مغلقاً. ظلّت منفتحة على القراءة، وعلى إعادة النظر، وعلى التغيّر الطبيعي الذي يصيب الإنسان لا النص فقط. وهذا ما جعل حضورها ممتداً، لا محصوراً في مرحلة واحدة. ثريا قابل لم تكن ظاهرة عابرة، ولا استثناءً عاطفياً. كانت جزءاً أصيلاً من تشكّل الحسّ الشعري والغنائي في السعودية. حضورها لم يأت من الصدمة، بل من الاستمرار. من تلك القدرة النادرة على أن تبقى قريبة دون أن تذوب، واضحة دون أن تفقد عمقها. اليوم، حين نعيد قراءة ما كتبت، لا نبحث عن براعة لغوية، بل نجد أنفسنا أمام إحساس صادق لا يحتاج إلى ترجمة. نصوصها لا تطلب من القارئ أن يعجب بها، بل تدعوه أن يشعر ويحسّ ! وهذا، في النهاية، هو جوهر الشعر!. ثريا قابل كانت شاعرة جريئة، لأن الصدق يحتاج إلى شجاعة. وكانت لغتها بسيطة، لأن القلب لا يفهم التعقيد. ولهذا، بقيت كلماتها حيّة، لا لأنها كُتبت بعناية فائقة، بل لأنها كُتبت كما تُقال الحقيقة: بهدوء، وبلا خوف. اللهم اغفر لها وارحمها.