ليْسَ يبقى سوى مَساءٍ نديٍّ.
تغطية الفعاليات من أبرز سمات الصحافة، وسوف أقصر حديثي على صحافة الأدب والثقافة، عملت بها سنوات وعرفت قيمتها. تحضر صالونًا وتشاهد أدباء ومبدعين بعضهم رحل عن دنيانا وبقيت تلك التغطيات شاهدة على حسهم، وما تجده في تلك الصالونات يختلف عما تجده في مؤلفاتهم، لذلك هو مهم لأنه يحمل سمة التوثيق. كان التنافس بين الصحفيين يشعل فتيل تلك التغطيات التي تأتي متنوعة، كل صحفي يتناول الفعالية من زاويته. في الكتب تقرأ ما يخطه الأدباء في موضوعات ينتقونها ويجمعون لها المصادر، لكنْ في الجلساتِ الأدبيةِ تقتربُ من هذا الأديبِ وحياتِهِ أكثرَ حينَ يتحدثُ وحينَ يهمسُ وحينَ يأتي بالنوادرِ والطُّرَف في مجلسٍ يعجُّ بالأقران. خلاصة الخلاصة يمكن أن تقف عليها في أحاديثهم وتعليقاتهم ونصائحهم في الحياة. قبل سنوات حظينا بلقاء أدباء من بينهم الشاعر حسن بن مصطفى صيرفي ومحمد العيد الخطراوي وأحمد بن سلم وحسن بن ناجي الأنصاري، وقبلهم محمد هاشم رشيد وآخرون، وكانوا في بعض أحاديثهم يذكرون جيلًا من الأدباء ممن سبقوهم قبل تأسيس نادي المدينة المنورة 1395هـ والحركة الأدبية بشكلها المؤسسي. اليوم تتواصل الرحلة إن كان عبر جمعيات الأدب على مستوى المملكة أو الصالونات الثقافية أو مقاهي الشريك الأدبي، جميعها تمثل مجتمعًا للأدباء وستعيد بطريقة ما سيرة من مضوا من ذلك الجيل، وستظل الكتابة، والكتابة على وجه الخصوص، أهم قناة يمكن أن تواكب ما يطرح ويقدم فيها مع تقديرنا لكل أشكال التوثيق الأخرى عبر الصوت والصورة. اليوم أعود لدفاتري القديمة أستقصي فيها بعض ما سجلته أو نسيت الحديث عنه من أحاديثهم الشائقة وعباراتهم الآسرة وهمساتهم الجميلة، وعرفت بعد هذه السنين قيمة أن يحضر الإنسان مثل تلك الجلسات التي يلتقي فيها بقامات من أدباء الوطن. والسيرة تعيد ذاتها حين تلتقي اليوم ببعض ناشئة الأدب يحرصون على حضور الفعاليات التي تقيمها المقاهي أو الصالونات الثقافية، يستمعون ويحاورون وينظرون لمن هم أكبر منهم بكل تقدير واحترام. في سياق تلك الأمسيات وتنقلاتنا بين تلك المجالس العامرة بالأدباء نحمل دفترًا صغيرًا نسجل ما يروق لنا. أتذكر نصًا أرسله لي صديقي الشاعر يوسف الرحيلي يقول: يا أبا أحمدٍ تفرُّ الليالي من يدينا كما تفرُّ الثَّواني ليْسَ يبقى سوى مَساءٍ نديٍّ بِحديثِ الخلّانِ للخلّانِ