مطلّ الحرم .
دخلتُ اليوم إحدى حارات مكة العتيقة، دخولًا يشبه الاعتذار أكثر مما يشبه الزيارة. فهذه الأمكنة لا تُداس بالأقدام فقط، بل تُلامَس بالذاكرة. البيوت قديمة، متهالكة ظاهريًا، لكنها متكاتفة…البيوت هنا لا تقف، هي متكئة على بعضها، كأنها عجائز يتبادلن الأسرار عند المغيب. جدرانها متهالكة نعم، لكنها عنيدة… تتشقق ولا تسقط. جدرانها ملتصقة ببعضها كأنها تخشى السقوط إن افترقت، جدران بلا ألوان لأنها اكتفت بلون الغبار والسنين. وبقع داكنة تشهد أن المطر مرّ من هنا ذات زمن. شقوقها ليست عيوبًا، هي خطوط عمر، كفواصل الكتب القديمة. الأزقة ضيقة…ضيقة لدرجة أنك تشعر أن الحارة ترى ظهرك. تمشي ببطء، ليس خوفًا من التعثر، بل لأن المكان يفرض إيقاعه. حتى خطواتك تصبح أقل ضجيجًا دون أن تشعر. على أحد الجدران خطّ جميل»شعب عامر» ثم تحته ترجمة للاسم بالانجليزية. الوجوه… وجوه تشبه الجدران، محفورة بالتجربة، عيون تراك دون فضول، ودون ترحيب أيضًا، كأنك زائر مؤقت في ذاكرة لا تحتاجك. أو تشبه المكان. عيون معتادة على الغرباء، امرأة تجرّ طفلًا من يده، وجهها جامد لكن يدها دافئة. طفل ينظر إليك لحظة، ثم ينشغل بحجرٍ في الأرض كأن العالم كله لا يعنيه. كنتُ في رحلة بحث عن منزل.. أشعر أنني أبحث عن امرأة،وعن زمنها معًا. سألت رجلًا يجلس على عتبة بيت منخفض، أشار بيده دون أن ينهض»بعد الدرج… لفّي… البيت اللي يطلّ.» البيت الذي يطلّ؟! هنا كل شيء يطلّ! وفجأة ينفتح المشهد. الحرم المكي… قريب، واضح، مهيب! يا لهذا الجمال الذي يخرج من قلب التعب! بيوت تحمل أعظم إطلالة يمكن لإنسان أن يسكنها. كأن الحارة تقول: لسنا مهملين، نحن فقط نعيش بجوار مقدّس، اكتفينا بجماله عن كل لونٍ وزخرف. نافذة صغيرة مفتوحة، يخرج منها صوت قرآن منخفض. بائع متجول يمرّ، لا يصيح، كأن المكان لا يحتمل المزيد من الأصوات. حتى الصمت هنا له وزن. تابعتُ المسير.. وكل منعطف يشبه الآخر، لكن الشعور يتراكم. كم دعاء خرج من هذه الأزقة؟ كم قلبٍ كُسر هنا ثم رُقّع بالصبر؟ كم امرأة وقفت عند نافذتها منهكة، ثم ترى الحرم وتنسى تعبها ؟ لم أجد البيت فورًا. لكنني وجدت ما هو أهم. وجدت مكانًا لا يُختصر في عنوان، ولا يوصف بكلمات سهلة. خرجتُ من الحارة أخيرًا، وأنا أعلم: ليست كل الرحلات تُتوَّج بالوصول. بعضها يكفيها أن تمرّ بنا، وتترك فينا غبارًا لا نريد إزالته.