فيلم “بيت في القدس” من إخراج وكتابة المخرج الفلسطيني مؤيد عليان، بالتعاون مع شقيقه رامي عليان، يمثل خطوة جريئة في السينما الفلسطينية المعاصرة. هذا العمل الروائي الطويل، الذي يمتد لـ 103 دقائق، هو إنتاج مشترك بين فلسطين، بريطانيا، هولندا، قطر، وفرنسا، ويجمع بين عناصر الدراما العائلية، الرعب النفسي الخفيف، والرسالة السياسية الدقيقة. عُرض لأول مرة في مهرجان روتردام السينمائي الدولي، وحصل على ترحيب نقدي معتدل، وبلغ تقييمه 75% على موقع Rotten Tomatoes. الفيلم يستلهم تاريخ عائلة المخرج نفسه، ويحاول تقديم منظور طفولي للتاريخ المتنازع في القدس، مع التركيز على قضايا الفقدان، والصدمة الجيلية، والتعاطف عبر الخطوط السياسية. ومع ذلك، يعاني من بعض النواقص في الإخراج الفني، مما يجعله عملاً طموحاً لكنه غير كامل. تدور القصة حول “ريبيكا شابيرو” تلعب دورها “مايلي لوك”، فتاة بريطانية يهودية تبلغ من العمر عشر سنوات، تعاني من صدمة نفسية عميقة بعد وفاة والدتها في حادث سيارة. يقرر والدها مايكل “جوني هاريس” الذي يعاني هو الآخر من الحزن، السفر والانتقال إلى منزل في القدس الغربية، آملاً أن يساعد التغيير في شفاء الجراح العائلية. المنزل الذي يبدو فسيحاً ومضيئاً خلافاً للمنازل التقليدية، يخفي أسراراً تاريخية. مع بداية الاستقرار، تكتشف ريبيكا دمية قديمة مخفية خلف باب سري في الحديقة، ومن ثم تظهر لها رشا “شهرازاد مخول فاريل”، شبح فتاة فلسطينية في مثل عمرها، تظهر مبللة وباهتة، ولا يراها أحد سواها. رشا التي انفصلت عن عائلتها عام 1948 بسبب النكبة والاحتلال، تنتظر عودة والديها الذين اختفوا بسبب دخول المحتل لمنزلهم. في البداية يبدو الفيلم كقصة رعب كلاسيكية، حيث تُنسب الاضطرابات في المنزل، مثل الأصوات الغريبة والأشياء المتحركة، إلى خيال ريبيكا المضطرب، ويصفها البالغون بالصدمة غير المعالجة، محاولين علاجها بالأدوية. مع تطور الصداقة بين الفتاتين، تتحول القصة إلى رحلة استكشافية. تساعد ريبيكا رشا في البحث عن أمها، مما يقودها إلى مخيم لاجئين فلسطيني في بيت لحم، حيث تلتقي بصانعة دمى مسنة هي رشا الكبرى “سعاد فارس”، التي تكشف عن روابط تاريخية بالمنزل. يكشف الفيلم تدريجياً أن المنزل كان ملكاً لعائلة فلسطينية قبل أن يُصادر، ويربط بين صدمة ريبيكا الشخصية والصدمة الجماعية للشعب الفلسطيني. النهاية تأتي بكشف مفاجئ يجمع الخيوط، حيث يتضح أن رشا ليست شبحاً تقليدياً بل رمزاً للذاكرة المكبوتة، وتنتهي القصة بدعوة للتعاطف والاعتراف بالظلم التاريخي، دون حلول سحرية للصراع الواقعي. هذه الفكرة الأساسية تجعل الفيلم استعارة قوية للصدمة الجيلية ونزاع المحتل مع الفلسطينيين، مع التركيز على براءة الأطفال كوسيلة لاستكشاف التاريخ. يعالج عليان القصة بأسلوب فني يمزج بين الواقعية والخارق، مستخدماً عناصر الرعب النفسي ليجسد الأشباح التاريخية التي تسكن المنطقة. والتصوير السينمائي، الذي شارك فيه المخرج نفسه، يبرز جمال القدس وتناقضاتها: المنزل الفسيح يرمز إلى الامتياز، بينما الحديقة والآبار القديمة تعكس الذاكرة المخفية. الصور الحية والحركية الحرة، كما أشاد بها الناقد “جوناثان رومني” في فينانشل تايمز، تضيف طاقة نابضة للقصة، مع إدراج صور فوتوغرافية ثابتة لتعزيز الطابع الوثائقي. الأداء التمثيلي يعد نقطة قوة، خاصة أداء الفتاتين الشابتين. مايلي لوك تقدم ريبيكا كفتاة متمردة ومكسورة، تحمل عبء عاطفي كبير بكثافة حزينة، بينما شهرازاد فاريل تجسد رشا ببراءة مستحسنة، مما يجعل صداقتهما مقنعة ومؤثرة. وجوني هاريس يضيف عمقاً لشخصية الأب، خاصة في المشاهد التي يكشف فيها أسراره العاطفية. في حين كانت الموسيقى التصويرية لأليكس سيمو معززة للحظات العاطفية، ومساعدة في الانتقال من الرعب إلى الدراما الإنسانية. وملاحظ أن السيناريو يوازن بين المواضيع الشخصية؛ الفقدان، والصحة النفسية، والسياسية، والتهجير، والاحتلال. “بيت في القدس” 2023 AHouse in Jerusalem فيلم مؤثر يستخدم الخيال ليروي قصة حقيقية عن الفقدان والذاكرة في سياق الصراع بين الفلسطيني والمحتل. معالجته الفنية الجريئة تجعله عملاً قيماً، ويبقى دعوة للتعاطف الإنساني، مستحقاً المشاهدة لمن يبحثون عن سينما ملتزمة.