في قصيدة « أنا من رأى» للشاعرة ساجدة الموسوي ..

سرديّة الذات المتعالية والبطولة الروحية.

تقدّم الشاعرة العراقية الكبيرة ساجدة الموسوي في قصيدتها ‘أنا من رأى’ نصاً شعرياً مكثّفاً ينهض على بنية خطابية تتشابك فيها نبرةُ الشاهد، وصوتُ النبيّ، وحكمةُ العارف، وتمرّدُ المنفيّ في العالم. إنها قصيدة سيرةٍ روحية تكتب ذاتها بضمير البطولة لا بوصفها ادّعاءً، بل بوصفها ضرورةً لبقاء الكائن في عالم يتهالك تحت وطأة الظلم. ينهض صوت الشاعرة هنا من منطقة بين الأسطورة والوجدان، فيتحوّل النص إلى نوع من الأنا الملحمية التي تتجاوز حدود الفرد لتجسّد إرادة جماعةٍ ومصير أمة. 1. بنية الافتتاح: ولادة الصوت من الطين واللوح يتأسس المطلع على معارضة صريحة بين لوح الحقيقة وصخب الأخبار: قم فاقرأ الألواحَ لا ما قالت الأخبارُ لا الصحفُ هنا تتجسّد ثنائيةٌ معرفية بين ’الخبر’ الذي هو نتاج السلطة، و’اللوح’ الذي يحيل إلى مخزون الحكمة الأولى. إن الشاعرة تُسقِط عن العالم المؤسساتي شرعية المعرفة، لتعلن أن الطين هو الذي ينبئ. والطين في المتخيّل الرافديني – كما في سفر التكوين – أصل الخلق ومبدأ الشهادة. ومنذ السطر الأول، تضع الموسوي قارئها أمام صوتٍ لا يتكلّم من موقعه الفردي، بل من موقع الذات – الأصل، المتجذّرة في عمق التاريخ. 2. الذات بوصفها مهزوزةً تهزّ الكون تتوالى الصور في المقطع الأول على هيئة حركة كونية: هززتُ الأرضَ كي تعطي وهززتُ أنجمَها كيما تضيء إن هذا الارتقاء بالذات إلى موقع القوّة الكونية لا يُقرأ كغلوٍّ لغوي، بل كاستعادةٍ لبنية البطولات الرافدينية التي عرفها الموروث العراقي: من كلكامش الباحث عن المعنى، إلى الأبطال العراقيين في الذاكرة الحديثة. هنا، تسعى الشاعرة إلى استعادة القدرة في عالمٍ خائر، فتعلن أنها ’تكتب للدنيا أناشيدها’ ثم ’تنصرف’، وكأن الكتابة فعل خلاصٍ أوّلي يعقبُه انسحابٌ زاهد. 3. من اليأس إلى النهوض: درامية التحوّل الداخلي تواجه القصيدة سؤال التاريخ والإنسان: ماذا قد جرى للأرض.. للتاريخ.. للدنيا؟ وتبدو الشاعرة هنا أمام خذلانٍ شامل لا يوقف نزيفه أحد: دمي يجري ولا من قال للدنيا كفى لكن الانكسار لا يدوم؛ إذ تنقلب الذاتُ على يأسها: لملمتُ جرحي.. وها إني بكلّ العزم ألتَحفُ بهذا الانتقال، تتأسس روح القصيدة على تقنية الصعود من العتمة. إنّه منطق العارف الذي يخوض التجربة ثم يخرج منها وقد ازدادت بصيرته. ولهذا ترد صور الخيل والعدوّ والسفر، وهي رموز للتحوّل والانبعاث. 4. خطاب القوة: أنا الملحمة وأنا العارف في المقطع الأوسط، تتبلور ’الأنا’ في شكلين متداخلين: أ. الأنا الملحمية، حيث يتكرّر إعلان القوة: وأنا الشهيد الحيّ غلابٌ وإن في رؤية الجهّال مغلوبٌ وأنا اختلاطُ النورِ بالأفلاك هذه ليست ’أنا’ فردية، بل ’أنا’ قومية-روحية، تستدعي صورة النبيّ/الشاهد الذي يتحوّل إلى رمز. وفي هذا، تستند الموسوي إلى بلاغة الارتقاء التي نجدها في القصائد الكبيرة في تاريخ الشعر العربي، من المتنبي إلى السياب، حيث يعلو الشاعر على واقعه ليصنع مركزاً جديداً للوجود. ب. الأنا العارفة ، ففي موضعٍ آخر، تتخذ الأنا بُعداً صوفياً: ولي طول المدى بحرٌ من العرفان سرّ الله في سرّي فلا أصفُ هنا تقف الشاعرة على حدود الكشف؛ تتكلم عن ’السرّ’ الذي لا يوصف، وتعيد تشكيل صورتها بوصفها كائناً مشعّاً يستمد قوته من المعرفة الباطنية. 5. نقد السلطة وتمثّلات السجن يتكرر في القصيدة حضور ’السجن’ ولكن ليس بمعناه المادي فقط: بسجني أغزل الأيام للآتي إن السجن هنا فضاءٌ للتحوّل والعمل الداخلي، كما في التجارب الصوفية أو السياسية الكبرى. وتبلغ نبرة المقاومة ذروتها حين تكشف الشاعرة ما في أعماق السجّان: وأدري كم به خوفٌ وكم ذلٌّ وكم في موقفي شرفُ بهذا الانقلاب، ينهزم السجّان رمزياً، فيما يتحوّل السجين إلى مصدر قوة. 6. نبرة الثورة: إعادة كتابة التاريخ في خاتمة القصيدة، ينفجر الخطاب الثوري: سألوي دفة التاريخ إنه وعدٌ بالتحوّل، يلتقي فيه الخيال الشعري بالرؤية السياسية والأخلاقية. ويتكرر التوكيد: قريباً كل ما خبّأتُ ينكشف وكأن القصيدة تبني لحظة انتظارٍ نبوئي لشعبٍ يتهيأ للتحرّر. 7. اللغة والصورة والمعمار الشعري تتميز القصيدة بثلاث خصائص أسلوبية بارزة: البنية التكرارية: تتكرر ’أنا’ بطريقة مقصودة، لتحويل الأنا من فرد إلى رمز. الصورة الكونية: النجوم، الأفلاك، الأرض، الريح… كلها تشكّل معجماً كونياً يرفع النص من المحلي إلى الأسطوري. الإيقاع الداخلي: تعتمد الموسوي على فواصل قصيرة وصور قوية تُحدث نوعاً من ’التنفس الملحمي’، فيتقدم النص ببطء ثقيلٍ يشبه خطى بطل يعود من معركة. خاتمة: القصيدة بوصفها سيرة أمة ليست ‘أنا من رأى’ قصيدة ذاتٍ فحسب، بل وثيقة وعيٍ تاريخي، فتكتب ساجدة الموسوي نصاً يعيد الاعتبار للقوة الروحية في زمن الانكسار، ويستعيد إرادة شعبٍ يرفض الموت. إنها قصيدة تعلن أن الكلمة قادرةٌ على تغيير العالم، وأن الشاعرة – هنا – ليست شاهدةً على الخراب، بل فاعلةٌ في إعادة تشكيل التاريخ.