ما الذي خسرناه حين أصبح كلُّ شيءٍ متاحًا ؟

تحت سطوة عصرٍ بات يلهث من فرط السرعة، أصبح كل شيء سهلًا وسريع الوصول إليه. نقرة زر واحدة كافية للحصول على ما نريد. فنجد أنفسنا في مواجهة سؤال ملحّ: ما الذي خسرناه حين أصبح كل شيء متاحًا فورًا؟ بعد أن كان للانتظار لذّته، وللشوق واللهفة حلاوتهما. بعد أن كنا ننتظر وصول الرسالة أيامًا، بل أسابيع وشهورًا، لنحصل على خبر من الحبيب أو القريب. اليوم، تصل الرسائل بضغطة زر، لكنها تصل بلا طعم، وبلا عمق. وبعد أن كان الحصول على تسجيل نادر لفناننا المفضّل حدثًا استثنائيًا، بات ذلك متاحًا للجميع عبر وسائل التواصل وشبكات الإنترنت، فحصلنا عليه… دون شغف. كثرت اللقاءات، لكنها فقدت أهميتها، فزرّ واحد يكفي للانسحاب الفوري. كثرت الخيارات، ففقد كل شيء قيمته الحقيقية، وطعمه، وصداه. لم نعد ننتظر شيئًا، وصار كل شيء سلعة أو معلومة، بعد أن كان تجربة إنسانية. حتى المعرفة تغيّرت. بعد أن كان الباحث يزحف بين رفوف المكتبات، يقلب الفهارس، ويتصفح الكتب واحدًا تلو الآخر، باحثًا عن معلومة تُبنى لبنةً لبنة، كما تُبنى المنازل. كانت رحلة المعرفة تعلّمنا الصبر، والمقارنة، والتأمل. أما اليوم، فيقدّم لنا «غوغل» و «ويكيبيديا» و «الذكاء الاصطناعي» خلاصات جاهزة، أعفت عقولنا من عبء التساؤل والتقصّي. امتلكنا إجابات سريعة، لكنها أفقدتنا عمق السؤال ولذّة البحث. حين كان يصلنا “المنتظر” كنا نحتفي به. أما ثقافة الإشباع الفوري، فقد قتلت فينا متعة الترقّب، وبهجة النادر والمميّز. فحين يصبح كل شيء متاحًا في كل وقت، وللجميع، تفقد الأشياء قدرتها على أن تكون ثمينة. ربما لم نخسر الأشياء ذاتها، بل خسرنا علاقتنا بها. صرنا نستهلك بشراهة، لكننا نتذوّق بفتور. لسنا ضد التقدّم، ولا نرفض سهولة الحياة. لكن السؤال الأهم: ماذا فعلت هذه السهولة بنا؟ لقد خسرنا طقوس التأمل، ولذّة الترقّب، وعمق التجربة. خسرنا تلك المسافات الصغيرة بين الرغبة والتحقّق؛ تلك المسافات التي كانت تصنع المعنى. أخطر ما نخسره في هذه الثقافة هو الإيقاع الإنساني الطبيعي. نحن بشر ولسنا آلات. نحتاج وقتًا للتفكير، وللتأمل، وللشعور، وللنمو. وحين نُسرّع كل شيء، فإننا نُسرّع قلوبنا وعقولنا أكثر مما ينبغي. القلق الحديث ليس مجرد حالة فردية، بل نتيجة لعالم يطلب منا أن نكون متصلين، مستجيبين، فاعلين في كل لحظة، كما لو كنا آلات، لا بشرًا من لحم ودم. ربما كل ما نحتاج إليه هو تمرّد صغير ومتعمّد: أن نختار الانتظار أحيانًا، أن نقرأ كتابًا دون تشتيت، أن نلتقي صديقًا دون هاتف، أن نطبخ وجبتنا ببطء، وأن نعيد اكتشاف اللحظة الإنسانية في عصر السرعة الرقمية. لقد منحنا الإشباع الفوري راحةً لا تُنكر، لكنه سلب منا الأعماق. وفي الأعماق… لا توجد اختصارات. فكل ما هو حقيقي يحتاج إلى وقت لينمو، كالشجرة، والحب، والفكرة. فلنحافظ على أعماقنا… كي نبقى بشرًا.