بعد مرور مئة عام..

«خواطر مصرّحة» وذاكرة التنوير الأولى

عندما صدر كتاب خواطر مصرّحة عام 1926م، لم يكن حدثًا أدبيًا عابرًا في سياق ثقافي ناشئ، بل شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الوعي الفكري في الجزيرة العربية. فقد جاء هذا العمل، الذي ألّفه الأديب والشاعر السعودي محمد حسن عواد، (1902-1980) بوصفه نصًا إشكاليًا منذ ظهوره، نصًا يتجاوز وظيفة المقالة أو الخاطرة، ليقترح رؤية جديدة للعالم، ولعلاقة الفرد بمجتمعه، ولحدود الممكن والممنوع في التفكير والتعبير. لم يكتب العواد «خواطر مصرّحة» ليجامل ذائقة سائدة، ولا ليعيد إنتاج خطاب مألوف، بل اختار منذ العنوان أن يعلن موقفه: خواطر لا تتخفّى ولا تلتف، بل تصرّح بما تراه وتعتقده، في زمن كان التصريح فيه مخاطرة اجتماعية وثقافية حقيقية. من هنا، يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه أحد أوائل النصوص التي حاولت زحزحة البنية التقليدية للفكر، وفتح نافذة على أسئلة لم تكن مطروحة على العلن، أو كانت تُتداول في نطاق ضيق وحذر. سياق تاريخي متحوّل صدر الكتاب في لحظة تاريخية بالغة الحساسية. كان العواد في مطلع العشرينيات من عمره، متأثرًا بما يصل إلى الحجاز من أفكار النهضة العربية، وما يقرأه من كتابات روّاد الإصلاح في مصر وبلاد الشام، إضافة إلى أدبيات المهجر العربي التي كانت تنقل تصورًا مختلفًا للعلاقة بين الفرد والمجتمع والوجود. في المقابل، كانت منطقة الحجاز نفسها تعيش تحولات سياسية واجتماعية عميقة، مع انتقالها إلى مرحلة جديدة في تاريخ الجزيرة العربية، وبدايات تشكّل الدولة الحديثة. هذا التزامن بين التحوّل السياسي والتململ الثقافي أوجد بيئة متوترة، لكنها خصبة للأسئلة. وقد التقط العواد هذه اللحظة، لا بوصفه مؤرخًا لها، بل بوصفه شاهدًا منخرطًا فيها، فكتب نصوصًا تعكس قلق جيل شاب يتطلع إلى أفق أوسع من حدود الموروث، دون أن يقطع صلته بالواقع الذي ينتمي إليه. خطاب مختلف ونبرة غير مألوفة تميّزت «خواطر مصرّحة» بلغة مباشرة، أحيانًا حادة، وتارة ساخرة، بيد أنها في جميع الأحوال لغة غير مألوفة في سياقها المحلي آنذاك. لم يكن العواد معنياً بتجميل أفكاره أو تخفيف حدتها، بل كان حريصًا على أن تصل كما هي، حتى لو أدّت إلى الصدام. تناول قضايا شائكة مثل سلطة العادات، وجمود الخطاب الديني، ودور التعليم في صناعة الوعي، ومكانة المرأة في المجتمع، بوصفها قضايا مترابطة لا يمكن فصلها عن سؤال النهضة. الأهم من ذلك أن العواد لم يقدّم نفسه واعظًا أو صاحب حلول نهائية، بل ككاتب يطرح الأسئلة ويدعو إلى التفكير. فخطابه، على حدّته، لم يكن خطاب إدانة بقدر ما كان خطاب مساءلة، يحمّل المجتمع مسؤولية مشاركته في إعادة إنتاج التخلف، ويدعو أفراده إلى مراجعة مسلّماتهم. بين الاحتفاء والرفض لم تمرّ هذه الخواطر دون ردود فعل. فقد وجد فيها عدد من الشباب والمثقفين، خصوصًا في الحجاز، تعبيرًا صادقًا عن تطلعاتهم ورغبتهم في التغيير. رأوا في الكتاب محاولة جريئة لتأسيس خطاب ثقافي جديد، يربط المحلي بالعالمي، ويعيد الاعتبار لدور العقل في فهم الدين والمجتمع. في المقابل، أثار الكتاب قلقًا بالغًا لدى التيارات المحافظة، التي رأت فيه خروجًا على السائد، وتهديدًا لمنظومة القيم القائمة. ولم يقتصر هذا الرفض على النقد الفكري، بل تُرجم إلى إجراءات عقابية، من بينها فصل العواد من عمله ومصادرة الكتاب. وهو ما يكشف أن الخلاف لم يكن حول أفكار معزولة، بل حول حق التفكير نفسه، وحدود ما يمكن قوله في المجال العام. فرد في مواجهة البنية تُظهر تجربة العواد، كما تتجلى في «خواطر مصرّحة»، ملامح مثقف اختار المواجهة بدل التكيّف. فقد امتلك قدرًا واضحًا من الثقة بالنفس، والإيمان بدور الكلمة، ما جعله يستمر في مشروعه الفكري رغم العزلة والضغوط. لم يكن هذا الموقف شائعًا في بيئة تعلي من شأن الجماعة، وتتحفظ على الأصوات الفردية الخارجة عن الإجماع. وقد شكّلت أطروحاته حول تعليم المرأة، وتجديد الفكر الديني، وتحديث الخطاب الأدبي، صدمة حقيقية للوعي السائد، إلا أنها في الوقت نفسه أسّست لبذرة تيار ثقافي لاحق، وجد في كتاب العواد مرجعًا مبكرًا وشاهدًا على إمكانية الاختلاف. شرارة حداثية مبكرة لا يمكن قراءة «خواطر مصرّحة» اليوم بمعزل عن كونه نصًا سابقًا لزمنه. فهو لا ينتمي تمامًا إلى سياق تقليدي، ولا يستنسخ نموذجًا حداثيًا جاهزًا، بل يقف في منطقة وسطى، يحاول أن يشق طريقه الخاص. لهذا السبب، تبدو بعض أفكاره اليوم بديهية، بينما لا يزال بعضها الآخر مثيرًا للنقاش. لقد آمن صاحب “نحو كيان جديد” بأن النهضة لا تُستورد جاهزة، بل تُبنى من الداخل، عبر تحرير العقل، وإعادة النظر في العلاقة مع التراث، دون القطيعة معه. ومن هنا، فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في مضمونه، بل في شجاعته بوصفه فعلًا ثقافيًا. أثر ممتد في الزمن عقب مرور قرن على صدور «خواطر مصرّحة»، لا يزال حضوره قائمًا في الذاكرة الثقافية السعودية والعربية. فقد مهّد هذا الكتاب، وغيره من المحاولات المبكرة، الطريق أمام أجيال لاحقة من الكتّاب والمفكرين، الذين واصلوا طرح الأسئلة نفسها، وإن بأدوات وسياقات مختلفة. إن العودة إلى هذا النص اليوم ليست مجرد استعادة لماضٍ ثقافي، بل هي فرصة للتأمل في مسار الفكر العربي، وفي الثمن الذي دُفع مقابل كل خطوة نحو الانفتاح. فـ«خواطر مصرّحة» لا يزال نصًا حيًا، ليس لأنه يقدّم إجابات جاهزة، بل لأنه يذكّرنا بأهمية السؤال، وبأن التنوير يبدأ دائمًا من الجرأة على التفكير. في المحصلة، لم يكتب محمد حسن عواد خواطر عابرة، بل ساهم، بوعي أو بدونه، في إشعال نقاش طويل حول الحرية والوعي والنهضة. وهو نقاش لم يُحسم بعد، وما زال مفتوحًا، تمامًا كما أراده صاحبه قبل مئة عام.