قاص وروائي ورئيس تحرير اشتهر بلقب «أيوب الصحافة السعودية» ينشر مذكرات العمر..

علي حسون: خمسون عاما في الصحافة قضيتها بين الأشواك والورود

يمثّل الأستاذ علي حسون واحدًا من أبرز الأسماء التي مرت على رئاسة التحرير في الصحافة السعودية، وفد صنع لنفسه اسماً كذلك كقاص وروائي يعد من أوائل من كتب الرواية ونشرها مسلسلة في الصحافة. وعلى الرغم من الظروف الصحية التي يمر بها، فإنه لم ينقطع عن العطاء؛ حيث صدر له مطلع هذا العام كتاب «خطى في شارع الأشواك» عن تجربته وذكرياته الصحفية، وفي خزانته الكثير من الأعمال غير المنشورة، من بينها رواية «على المركاز» (الجزء الثاني من رواية «الطيبون والقاع»)، ومجموعة قصصية بعنوان «عيشة في الغرب الجواني» وُلد «الاستاذ» في المدينة المنورة عام 1370هـ، وحمل روحها الهادئة وتأملها العميق إلى مسيرته المهنية والأدبية، فكان ابن المكان في لغته، وفي نظرته، وفي طريقته في الإصغاء للعالم. تنقّل علي حسون بين الصحافة والأدب دون أن يتخلى عن أحدهما لحساب الآخر. بدأ محررًا في صحيفة المدينة المنورة، وتدرّج في مواقعها حتى إدارة التحرير، وأشرف مبكرًا على ملحق «الأربعاء» الذي شكّل مساحة ثقافية لافتة في زمنه. ثم انتقل إلى صحيفة البلاد مديرًا للتحرير، قبل أن يُكلّف برئاسة تحريرها، ليصبح رئيس التحرير السابع عشر في تاريخ صحيفة عريقة تعود نشأتها إلى عام 1350هـ، لتضاف بعد ذلك مسؤولية الاشراف على تحرير مجلة «اقرأ» ضمن مهامه الصحفية. وفي كل موقع شغله، ظل وفيًا لفكرة الصحافة بوصفها فعل معرفة، ومساحة للاختلاف، ومنبرًا للصدق المهني. إلى جانب عمله الصحفي، راكم الحسون تجربة أدبية لا تقل عمقًا، أصدر خلالها مجموعات قصصية وأعمالًا وجدانية ورواية لافتة، من بينها «حصة زمن» و«حوار تحت المطر» و«إليها أينما كانت» ورواية «الطيبون والقاع»، التي قدّم فيها سردًا اجتماعيًا كثيفًا عن المدينة المنورة، جامعًا بين عين الصحفي وحسّ القاص. ولم تستطع الصحافة، بكل استحقاقاتها اليومية، أن تنتزع منه صوته الأدبي، بل ظلّ الأدب حاضرًا في لغته، وفي اختياراته، وفي طريقته في مقاربة الناس والوقائع. شارك الحسون في ندوات ثقافية ومؤتمرات عربية وإسلامية ودولية، وأجرى حوارات مع رؤساء دول ومفكرين وأدباء، وكان حاضرًا في رحلات صحفية عابرة للحدود، حاملاً صورة الصحفي السعودي المنفتح على العالم، الواثق بهويته، والمؤمن بأن المهنة لا تُمارَس إلا بأفق إنساني واسع. كما كان له دور مؤسسي في المشهد الصحفي، بصفته عضوًا في أول مجلس إدارة لهيئة الصحفيين السعوديين، وأمينًا عامًا مساعدًا للجمعيات الصحفية الخليجية. في هذا الملف، الذي ساهم في اعداده الزميل سامي حسون، نقترب من الأستاذ علي حسون عبر حوار مفتوح، وشهادات تستعيد أثره، في محاولة لقراءة تجربته الصحفية والأدبية بوصفها جزءًا أصيلًا من تاريخنا الثقافي. عن الكتاب الجديد *صدر لك مؤخرًا كتاب «خطى في شارع الأشواك»، وهو ليس كتابًا جديدًا فحسب، بل أشبه بسيرة صحفية مكتوبة من الداخل. لماذا اخترت أن تعود الآن إلى الذاكرة، وماذا أردت أن تقوله عن الصحافة وزمنها من خلال هذا الكتاب؟ -وأنا أتخطى السبعين من العمر خطر في ذهني أن أكتب شيئا عن ذكرياتي وأنا أعترف أن فيها ما يذكر فهو شكر كما يقال. ولكن هناك شيء من الذكريات لا بد أن أعود إليها بكل إرادتي وشحن النفس. فقررت أن أبدأها من ذكريات تخص العمل بعيدا عن غيره من الذكريات. وأنا في هذا العمر الذي قضيت منه خمسين عاما في العمل جدير بالتدوين والذكر. وأعترف بأن هناك نقاطاً اجتزتها بكل اختياري؛ لأن فيها ما قد يسيء الخير الذي عملت معه نظرا لما يحمله من فكر أو رؤية تجاه الحياة والتعامل معها. والحقيقة هناك أناس ممن عملت معهم أعطوني من فكرهم أغلاه، ومن نفوسهم أطهرها. لا يمكن أن أنساها أو أنساهم هم ملء العين والعقل والقلب على الدوام بل تخطى الكثير منهم كل ذلك، واعتبروني واحد من أبنائهم أو إخوتهم لأضرب مثلا بالسيد عثمان حافظ كان رئيس التحرير الذي يترك الأكمام تتفتح وهو سعيد، وهو يراهم يشقون طريقهم، دون أن يصاب بالغيرة منهم. والأستاذ محمد صلاح الدين مدير التحرير الأنيق في مخاطبته للعاملين معه بكل حصافة. أما أحمد محمود الذي أتى إلى الصحيفة، وهي تعاني من التخلف في التحرير والإدارة بعد أن غادر كل الفعاليات الجريدة لينهض بها في مهمة السبعينيات الميلادية ليتركها ويأتي بعده الأستاذ غالب حمزة أبو الفرج، وكان رجلا طيبا في تعامله، وإن كان أكثر حرصا على أن تسير الجريدة في طريق «الخبطات» الصحفية كسابقيه ليأتي الجريدة بعده رئيس تحرير لا يفقه في العمل الصحفي ليأتينا بعد أن عاش في الطائف زمنا كمدير للتعليم بها. وإن كان يقدر لي أن أنسى فلا يمكن أن أنسى بقية الناس السيد عبيد مدني ذلك الرجل صاحب الحكمة والنظرة العميقة حيث كان يسأل عني عندما يفتقدني لثلاثة أيام، فيتصل بوالدتي هاتفيا، ويقول أين ابني ثلاثة أيام لم أشاهدد يرحمه اللّه. بداية المشوار *كيف تشكّلت علاقتك بالأدب والصحافة، ومتى أدركت أنك اخترت طريقًا طويلًا وشائكًا؟ -كنت في الفصل الخامس الابتدائي بمدرسة العلوم الشرعية عام ١٣٧٨ هجرية عندما عرض الأستاذ بكر آدم مدرس التعبير تفاصيل قصة تقول إن أحدهم وجد متاعا، فذهب به إلى مركز الشرطة لتسليمه، وطلب منا في الفصل أن نضع عنوان القصة، وراح يسألنا واحدا واحد عندما أتاني قلت له الأمانة، فذهب إلى السبورة، وأعلن العنوان وصاحبه وهو يقول أنت سوف تصبح قصاصا، ومن يومها عشقت قراءة القصص إلى أن كتبت ما يشبه القصة، وأرسلتها إلى جريدة المدينة التي كانت تطبع في المدينة كل يوم جمعة ويوم الثلاثاء، وكانت سعادتي لا توصف وأنا أقرأ منشوراتي في المدينة، وبدأت حكاية الصحافة تأخذ مجراها في تكوني النفسي إلى أن كان يوما جديدا عندما قلت للصديق هاشم شيمحا، وكان أحد طلاب المدرسة الفهدية، وكان موقعها في بداية محله باب المجيدي، ولا تبعد عن مدرستي العلوم الشرعية كثيرا، وكان عندهم صحيفة حائطية، وليست في العلوم الشرعية صحيفة حائطية قلت للشيخ هل في استطاعتي الكتابة لديكم فقال نعم، وكتبت موضوعا عن نظافة الشوارع تحت توقيعي الطالب المغترب لكوني من خارج المدرسة الفهدية، ومضت الأيام والشهور إلى أن ذهبت جريدة المدينة إلى جده عام ١٣٨٠ هـ، أي عام ١٩٦٠ م ليتواصل نشاطي معها في الشأن الرياضي الذي بدأناه فيها أيام كان المشرف على زاوية الرياضة إبراهيم مظهر إلى عام ١٣٨٥هـ عندما كنت هاوياً للكتابة في الرياضة، كنت أبعث بما أكتب إلى جريدة المدينة، وكانت أيامها نقلت من المدينة المنورة إلى جدة، وكان يشرف على الصفحه الرياضية والجريدة في المدينة الأستاذ إبراهيم مظهر، كان كاتبا له حضوره الذي لا تنكره العين، كان ذلك عام ١٣٨٠ هـ، وذهبت الجريدة إلى جدة لتصبح يومية، وكان هناك كوكبة شابة من المحررين حرص رئيس التحرير الاهتمام بهم وهو شاب في الخامسة والعشرين من العمر لتلفت الأنظار إليها كجريدة جديدة في طرحها وإخراجها المميز وظهورها الملفت للأنظار. كان المحررون شباباً في مقتبل العمر أمثال هاشم عبده هاشم، سباعي عثمان، علي القرعاوي، وأحمد محمود وبعدهم علي خالد الغامدي، وكان يديرهم مدير التحرير القاسي في اللين واللين في قوة محمد صلاح الدين. وكنت أحد المهتمين بالرياضة إلى أن جاءني يوماً خطاب من هاشم عبده هاشم، وكان مشرفاً على الرياضة والاستاد الرياضي يصدر كل جمعة يقول في رسالته إن مدير التحرير معجب بالمواد التي تبعثها ويطلب منك تزويدنا بأخبار الإدارات الحكومية والمجتمع. عندها أحسست أن باباً واسعاً فتح أمامي لنزعة صحيفة كانت لدي، فوجدتها فرصة لا يمكن تركها، وقد كان رحت ابعث بالأخبار تفاجأت بعد ثلاثة أشهر بشيك من الجريدة على البنك الأهلي بمبلغ ثلاثمائة وخمسون ريالاً، وكان يومها مبلغاً كبيرا؛ لأن خريج الجامعة راتبه سبعمئة ريال. الشرارة الأولى في كتابة القصة *الكتابة الأدبية حضرت مبكرًا في مسيرتك؛ كيف تشكّلت هذه العلاقة، ومن الذي أسهم في دفعك نحوها؟ -كان صديقي حسين علي حسين رحمه الله الشرارة التي بدأت منها الكتابة؛ حيث كتب قصة واسمها «حبات البرتقال» ونشرها في جريدة المدينة، وقال لي بعدها: لماذا لا تكتب قصة؟ ومن هنا كانت الشرارة فبدأت وكنت أقرأ كثيراً بما يقارب عشر ساعات في اليوم، وخصوصاً ذهابي لبيروت في تلك الفترة، حيث مارست العمل الصحفي هناك متدربا في الصحف اللبنانية، فبيروت كانت مكتبة، والكتابة في بيروت لها طعم خاص، وبيروت كانت مصدر الشعاع والترجمة. كتبت نحو خمس قصص، وكان ينشرها سباعي عثمان في المدينة، وكانت العام 1394، وفي 1396 أصدرت أول كتاب، وهو مجموعة اسمها (حصة زمن) وصدرت في القاهرة. وبعدها كتبت رواية اسمها (الطيبون والقاع) نشرتها في أجزاء في جريدة المدينة، وبعدها طبعتها في كتاب كجزء أول، والجزء الثاني موجود لدي كمسودة جاهزة للطباعة ولم تنشر حتى الآن، وهناك كتاب آخر في الوجدانيات وعنوانه (إليها أينما كانت). ومجموعة قصص اسمها (حوار تحت المطر). كما أصدرت كتابين، الاول اسمه (شباك الذكريات.. رجال من المدينة المنورة )، وهذا الكتاب عن الذين عايشتهم في المدينة وكان بيني وبينهم حوار أو لقاء. والآخر عنوانه (شخصيات وذكريات) وفيه ذكرياتي عن مجموعة كتاب وصحفيين التقيت بهم. بالاضافة الى كتابي الاخير «خطى في شارع الاشواك» الذي تحدثنا عنه اولا. التحولات الثقافية مبهجة *كيف تنظر اليوم إلى المشهد الثقافي في المملكة، في ظل التحولات التي شهدها خلال السنوات الأخيرة -في السابق كانت نظرتنا إلى المشهد الثقافي محدودة إلى حدٍّ كبير، ومحصورة في قنوات وأشكال تقليدية. أمّا اليوم، فقد أصبحت النظرة أكثر شمولًا واتساعًا، مع حضور السينما، والمسرح، والتلفزيون، وتعدّد المنصات والقنوات الثقافية. هذا التنوع أسهم في إعادة تشكيل الساحة الثقافية، ومنحها حيوية أوضح، وفتح المجال أمام أصوات وتجارب جديدة، وجعل الثقافة أقرب إلى المجتمع وأكثر تفاعلًا مع تحوّلاته. ------ علي حسون.. لاعب كرة القدم الذي كان مطلبا للصحافة! تستعيد هذه الصورة جانبًا مبكرًا من سيرة الأستاذ علي حسون، وهي تعود إلى عام 1383هـ، وتوثّق “الأستاذ” لاعبًا في الفريق الأول لكرة القدم بنادي أحد الرياضي بالمدينة المنورة( يبدو الثامن من اليسار)، حين كان يصنف كأحد أبرز نجوم ملاعب المدينة والمملكة. لم يكن حضوره في الملعب عابرًا؛ فقد جعله أداؤه وانضباطه محط اهتمام الجماهير والصحافة المحلية. وفي دلالة على حجم نجوميته آنذاك، أجرى معه الصحفي الشهير عبدالله باجبير – رحمه الله – حوارًا صحفيًا نُشر على صفحة كاملة من جريدة عكاظ، في وقتٍ كانت فيه الصحف تصدر بعدد محدود من الصفحات، وهو ما يعكس المكانة التي حظي بها اللاعب الشاب في المشهد الرياضي.