في سياق فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب (2026م)، نظّمت هيئة الأدب والنشر والترجمة في الجناح السعودي بالمعرض محاضرة بعنون “ فن الوخز بالكلمة: السخرية استرتيجيةً في المعارك الأدبية” ألقاها د.عبدالله بن عبدالرحمن الحيدري أستاذ الأدب والنقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقًا يوم الأربعاء (28 يناير 2026م)، وأدارها الأستاذ سلمان آل سامة، ثم بدأ الحيدري محاضرته بتعريف السخرية وإلقاء الضوء حول مفهوم (الوخز) طبيًا ونقديًا فقال: السخرية بوصفها مصطلحًا أدبيًا نوع من الأسلوب الهازئ الذي لا يستخدم فيه الأسلوب الجدي أو المعنى الواقعي، وهو أن يتبع المتكلم طريقة في عرض الحديث يعكس ما يمكن أن يقال، وهو أسلوب شائع بين العامة والأدباء على السواء، أما (الوخز) فهو إحساس غير مريح يشبه «الدبابيس والإبر»، والهدف الطبي من الوخز هو العلاج، مع ما يحدثه من ألم، وانتقل المصطلح إلى القاموس النقدي، فأصبح يعبّر عن الإصلاح الاجتماعي أو الثقافي بالكلمة الساخرة التي تُحدث ألمًا في نفس من تقال له، ولكنها تحمل هدف نبيلا، وهو المعالجة والإصلاح. ثم انتقل الحيدري إلى تعريف (المعركة) ومرادفاتها فقال: كلمة معركة أدبية لها بعض المرادفات التي قد تعني أمرًا أقل من المعركة مثل: مناوشة، أو مساجلة، أو ملاسنة، وغيرها، والمعركة الأدبية هي التي يشارك فيها عدد كبير موافقة ومخالفة. وقد استعان عدد من الأدباء العرب بالوخز بصفته سلاحا واستراتيجية، واستخدما السخرية علاجا، بعدها ألمح الحيدري سريعًا إلى نماذج من معارك زكي مبارك والرافعي حين قال: في مصر شهد النصف الأول من القرن العشرين عشرات المعارك الأدبية بين رموز الثقافة الكبار مثل: طه حسين وعباس العقاد، وأحمد أمين، وإبراهيم المازني، وتوفيق الحكيم، ومصطفى صادق الرافعي، وزكي مبارك، وتوقف عند الأخيرين: الرافعي، ومبارك، فمصطفى صادق الرافعي من الأسماء الأدبية الكبيرة، ودخل في معارك مع أدباء جيله، واستخدم السخرية للقضاء على خصومه، ومنها معركته مع عبّاس محمود العقاد، وكان بينهما صفاء وصداقة، ولكن العقاد أساء إليه مرة، فغمزة مرة في جريدة المؤيد، ثم عاد بعد ذلك يؤزه بقارص الكلام، فأهمله الرافعي مرتين، ثم لما عاد في الثالثة بلهجة استعلائية، رد الرافعي ولكن جريدة البلاغ امتنعت عن النشر، وهذا ما أوغر صدر الرافعي، وجعل الحقد فيه يلتهب، فيستعد له بحملة نقدية لها مكان في تاريخ الأدب الحديث، إذ وضع العقاد: شعره وأدبه على السفّود. أما الدكتور زكي مبارك فيكاد يكون أبرز أديب صال وجال في النصف الأول من القرن العشرين، ودخل في معارك ومناوشات مع معظم أدباء عصره، ولقبه أحمد حسن الزيات صاحب مجلة الرسالة بالملاكم الأدبي، وهو وصف يصدق عليه، وأرجع محمد جاد البنا أسباب نشوب المعارك الأدبية إلى تعدد المعسكرات السياسية من ناحية، وإلى اختلاف المذاهب الأدبية من ناحية أخرى، وقلة من الأدباء والمفكرين الذين اتخذوا الحيدة سلبيهم، وانتصروا لجانب الحق وحده دون خوف من رقيب أو طمع في مال أو جاه إلا سلطان ضمائرهم ومسؤولية أقلامهم. وقد حاول الباحثون تعليل ميل زكي مبارك للمعارك وحبه لها فقالوا إنه بطبيعته لا يحب الهدوء، وينفر من السكينة، ويبحث عن الضجيج. ويمكن الوقوف على أبرز معاركه التي استخدم فيها السخرية سلاحا، ومنها معركته الكبرى مع طه حسين حول النزعة اليونانية ومستقبل الثقافة في مصر التي كشفت عن انتماء زكي مبارك للثقافة العربية والإسلامية ودفاعه عنها، وترتب عليها فصله من الجامعة وعدم تجديد عقده بسبب تعنت طه حسين ضده فقال مبارك قولته المشهورة: “لقد ظن طه حسين أنه انتزع اللقمة من فم أطفالي، فليعلم حضرته أن أطفالي لو جاعوا لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه، ولكنهم لن يجوعوا ما دامت أرزاقهم بالله”. وكما ارتبطت السخرية عند زكي مبارك بمجتمعه، ارتبطت أيضًا بمعاركه النقدية، فقد استخدمها كأحد أهم أسلحته في القضاء على خصومه، ونأخذ أنموذجًا واحدًا على هذا: في معركته الشهيرة مع الكاتب الكبير أحمد أمين الذي قال: إن الشعر العربي في أكثره مديح وهجاء، وبذا يكون في أغلب أحواله أدب معدة لا أدب روح، ثم إن أحمد أمين يستشهد بالأرقام، فينقض عليه زكي مبارك متأبطًا سلاحه الذي لا يستغني عنه (السخرية) ويرد على أحمد أمين بردٍ قاتل، فيقول: «وهذا أحمد أمين بقضِّه وقضيضه، هو أحمد أمين الذي يُدَرِس الأدب بالإحصاء، والذي يقيس الدواوين الشعرية بالمتر والباع والذراع!”. ثم انتقل الحيدري إلى نماذج من استخدام السخرية سلاحا في المعارك الأدبية في الأدب السعودي، وتوقف عند معارك حسين سرحان تحديدا؛ لأنه عرف بوصفه كاتبا ساخرا، واستخدم هذا السلاح مع خصومه في معاركه الأدبية، ومن مناوشاته التي نشرت في جريدة المدينة نقاش حول “أدب السندويش” عام 1938م، وأنهى مقالته مناقشا عبدالقدوس الأنصاري فقال: “وبعد هذا كله لا نزال نحاول أن ينهض الأدب على غير قدمين، وأن يرتفع صرحه على غير أساس، وما أدراك فلعل الله أن يتيح لنا معجزة جديدة تحقق لنا أمانينا ونحن نائمون!”. وفي عام (1937م) هاجم حسين سرحان زميله عبدالكريم الجهيمان، ووصفه بأنه حاطب ليل، واستهل الهجوم بإيراد قصة (حاطب ليل) من التراث، ثم ختم مقالته قائلاً: “وبعد، فما يدريني ويدريك أيها القارئ الفطن، لعل لكل زمان حاطب ليل، وحاطب الليل في هذا الزمان عبدالكريم بن جهيمان!”. ثم انتقل الحيدري إلى كاتب سعودي ساخر، وهو علي العمير (ت2021م)، وله عدة مؤلفات من بينها (الوخزات من الأدب الساخر)، و(مناقرات صحفية)، و(معركتان أدبيتان مع العقيلي وطبانة)، وهذه العناوين وحدها تكشف اتجاهه الكتابي بوضوح، وهو يصرح في أحد كتبه بأن السخرية أتعبته. وقد وثّق العمير تفاصيل نقاشه مع المؤرخ محمد العقيلي، ومع الدكتور بدوي طبانة في كتاب طبع في عام 1985م، وسبب معركته مع العقيلي استعراض العمير لكتاب للعقيلي عن المخلاف السليماني (جازان حاليا)، وإبداء بعض الملحوظات الوجيهة وخاصة في الحذف من كتب التراث عند تحقيقها، والتساهل في التوثيق، والسطو على المخطوطات القديمة دون إثبات ذلك في الهوامش والمراجع، وغير ذلك، وهذا أغاض العقيلي فكتب ردا فيه مراوغة، ثم كتب ردا باسم أحد أبنائه، فوجد العمير الفرصة للانقضاض عليه بسيف السخرية الذي يجيده، فكتب تحت عنوان “حرب العيال” فقال: “عندي من الأبناء والبنات أكثر مما عنده وهم وهن في مراحل دراسية مختلفة أدناها الابتدائية، وأعلاها السنة النهائية بالجامعة..، وهكذا يتضح أن أولادي بكثرتهم وتعليمهم أيضا أقدر في (حرب العيال هذه) من ولد العقيلي”!. أما معركته مع الدكتور بدوي طبانة فقد بدأت في جلسة في ندوة الشيخ عبدالعزيز الرفاعي بالرياض حينما خطأ طبانة العمير في كلمة (ابن النديم)، ورأى أن الصواب (النديم)، وفي مكان وفاة الزبير بن بكّار إذ ذكر العمير أنه كان قاضيا بمكة ودفن فيها، في حين رأى طبانة أنه مدفون في مصر، وكشفت المقالات المتبادلة بينهما استخدام العمير غير مرة لسلاح السخرية في هذه المعركة أو المناوشة.