ما قبل التخرّج.

يقول الشاعر: “ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماءِ” وهذا البيت، على شهرته، لا يبدو بعيداً عمّا يعيشه بعض طلاب الجامعات السعودية في مرحلة التدريب التعاوني، إذ يُطلب من الطالب، وهو على مشارف التخرّج، أن يخوض تجربة التدريب العملي دون أن تُحدَّد له جهة تدريب، فيجد نفسه أمام متطلب أكاديمي مصيري، لكنه بلا مسار واضح. فالطالب يبدأ رحلة البحث بمفرده، يتقدم إلى جهات حكومية وخاصة، يراسل، ينتظر، ويُقابل بالاعتذار أو التجاهل، رغم ما يُتداول عن وجود حوافز وتقييمات تُمنح للجهات التي تستقبل متدربين. ومع ذلك، تبقى الفرص محدودة، والقبول غير مضمون. وتكمن خطورة الأمر في أن فشل الطالب في الحصول على فرصة تدريب لا يعني تأجيل مادة عادية، بل تعثر التخرج فصلاً كاملاً، وربما أكثر، ما يضعه تحت ضغط نفسي وأكاديمي لا مبرر له. ويزداد العبء حين يُطالب - في الوقت ذاته - بإنجاز مشروع تخرج متكامل، وكأن الجهد الأكاديمي وحده لا يكفي. ولا يمكن النظر إلى هذه الإشكالية بوصفها حالات فردية أو استثناءات عابرة، فالتجربة تتكرر في أكثر من جامعة إن لم تكن جميعها، وبصيغ متقاربة، ما يشير إلى فجوة تنظيمية لا تتعلق بحرص الطالب أو اجتهاده، بقدر ما ترتبط بآلية إدارة التدريب التعاوني ذاتها، وحدود التنسيق بين الجامعات والجهات المستقبِلة. المأمول، بل المنطقي، أن تتولى الجامعات مسؤولية التنسيق المباشر مع الجهات المعتمدة لديها، وأن تُوزَع فرص التدريب على الطلبة بعدالة وشفافية، بدل تركهم في دائرة البحث الفردي، أو دفعهم - من حيث لا يُراد - للبحث عن شفاعة لقبولهم في جهة تدريب. فالتدريب التعاوني ليس اختبار قدرة الطالب على العلاقات العامة، بل مرحلة تعليمية يُفترض أن تُبنى على الشراكة المؤسسية بين الجامعة وسوق العمل، بما يحقق الهدف الحقيقي منه: إعداد الخريج، لا إنهاكه. إن النظر إلى هذه المعاناة بعين المسؤولية الأكاديمية ليس ترفاً، بل واجب، لأن الطالب في النهاية هو محور العملية التعليمية، وأي تعقيد غير مبرر في مساره ينعكس سلباً على جودة المخرجات، لا على الطالب وحده، بل على المنظومة بأكملها.