سؤال الهوية في الشعر العربي.
هناك العديد من الأسئلة التي تشابكتْ أغصانُها في غاباتٍ من الكلام الشعري على امتداد تاريخنا الطويل، وبرغم محاولات تقليمها بمقصِّ النقد والكتابات الجادة إلا أنها ظلتْ كلَّ مرةٍ تنمو متسلقةً فوق أسوارها، كاشفةً عن سلامة رئتِها حيال مطبات اللغة وارتفاعاتها الشاهقة وهي: هل كانت الشرارةُ التي قدحت القصيدةَ الجاهليةَ قديمًا هي الرغبةُ في الانعتاق من ذلك البياضِ المتمثِّلِ في جغرافيا المكانِ بصفتها الملهاةُ الوحيدةُ حسبَ مقاربةِ أحدِ النقَّادِ المحدثينْ؟ هل الشعرُ الجاهليُّ انطباعيٌّ وبسيطٌ، ولا يرقى إلى مستوى المنهجيةِ الحديثةِ كما يرى بعضُ النقَّادِ المعاصرينْ؟ وأخيرًا هل كان يملكُ مشروعَه الفكريَّ الخاصَّ بمواصفاتٍ غايةٍ في الخصوصيةِ كفنٍّ قائم كباقي فنونِ الأمم الأخرى؟ والاستفهامُ الأخير سيمثل بوابة العبور للاقتراب أكثر من كل الإشكاليات التي شَكَّلت علاماتِ استفهامٍ ما برحت تلقي بظلالها على المشهد الشعري وستظل، لكن من بوابة اللغة بصفتها المكون الأكبر لجغرافيا القصيدة العربية، والرحم الذي تتشكل فيه نطفة وجينات الصورة الشعرية بكل تجلِّياتها وتشابكاتها كونها أساسُ البناء الشعري، بل وتُعدُّ من المعايير المهمة التي يُحكم بها على أصالة التجربة. ومن أهم مواضيع الأدب والنقد المعاصر. فهي الزهرة الأهم في حديقة القصيدة العربية منذ وجدت (أي أنهما توئمان)، وليست الصورةَ شيءٌ طارئٌ أو محدثٌ. وبتعريف أدق فالشعر قائم على الصورة منذ أن وجد كما يقول الناقد إحسان عباس، وكما يقول الجرجاني (سبيل الكلام سبيل التصوير). أما الجاحظ فيقول (الشعر فنٌّ تصويريٌّ يقوم جانب كبير منه على الصورة الشعرية). لكن ماذا عن الحاضنة الأهم والمنصة التي تمثل الرحم لتشكل جنين الصورة وحضانتها والسائل الأمنيوسي وهي اللغة؟ اللغة التي استطاعت أن تحدثَ شرخًا في جدار قناعات ذلك الرجل ليدخلَ في برزخ الوعي برهة من الوقت، ويطلق مقولته التي خلدت في فضاء الذاكرةِ (إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ... الخ)، بل ثمة تجاربٌ معاصرةٌ لأشخاصٍ أُدْخِلوا في تجربة الإصغاء لتلاوات قرآنية فدخلوا في حالة من الصفاء الذهني، والشحنة الروحية وقتيا رغم عدم معرفتهم باللغة العربية وليسوا مسلمين في الأصل، وهذا خير دليل على ما تقوم به اللغة من إعادة تشكيل الوعي وإعادة صياغته. كما لعبت اللغة في كل محطاتها بما تحمله من كشاف المعنى دورًا كبيرًا في تغيير المفاهيم من خلال استثمار طاقتها وتوظيف سلطتها بتشكيل الوعي الجمعي وخلط أوراقه على سلم الهرم الاجتماعي في مرحلة ما، مما حدا بناقد كالغذامي في (نقذه الثقافي) تحميلُ الشعر جريرةَ كل التشوهات التي طالت المجتمعات العربية مع تحفظنا على هذه المقولة. حتى الحداثيون استخدموا اللغة كأداة تحليلية من خلال تأويل المعنى الظاهر للوصول إلى البني العميقة للكون. مما يثبت أن اللغة ليست مجردُ جسورٍ للتواصل الفكري وحسب، بل تمتلك قوانينَها الفيزيائيةَ وقوالبَها المحفوظةَ ضمن نظام لغوي يتفاعل طردا مع حركة الوعي الفردي والجماعي من خلال نظام متكامل تختزن ذاكرةُ بياناته أرشيفًا لمختلف المعارف والتجارب المادية، والروحية، والفكرية، والثقافية لاستدعائها وتوظيفها في الوقت واللحظة التاريخية المناسبة وهذا ما اتسمت به لغة القرآن الإعجازية، التي استطاعت أن تعبر الزمان والمكان وتستوعب حركة التاريخ البشري بكل معطياته العلمية والاجتماعية والنفسية (تبيان لكل شيء). فما هو سر اللغة، وما مفاتيحها العجيبة تلك التي استطاعت أن تفتح أعتى الحصون والمتاريس الفكرية المختمرة بتراكمات الزمن؟ أليست قائمةٌ على الصورة الإعجازية؟ لكن لقراءة الصورة ووظيفتِها ومنابعِها وتحولاتِها الزمنية في الشعر العربي لابد من قراءتها بعيون محايدة والفرز بينها وبين الصورة في الشعر الأوروبي ومنابع كل منهما، لأن ذلك ما سيفضي بنا للإجابة عن كل الاستفهامات السابقة. وبدايةً مع شاعر ألمانيا الأكبر (غوته)، حيث يلخص ما أسماه (الخصائصَ الجوهرية للشعر العربي)، في النظرة الشاملة إلى عالم الأشياء وينتهي بالقول الطابع الأسمى للشعر العربي هو ما نسميه نحن الألمان (Geist)أي الروح، فهؤلاء الشعراء تحضرهم كلُّ الأشياء ويربطون ببساطة بين الأشياء بُعدا وتَباينا (إلباسُ المعنوي ثوبَ المحسوس). أما الناقد الإنجليزي دكتور جونسون فيطلق مصطلح (conceit) بأنه الجمع بين صورتين مختلفتين أو اكتشاف وجود لا يبدوا في الظاهر أنه يوجد ما يجمع بينهما، وكان ذلك في سياق هجومه على شعراء القرن التاسع عشر الذين توسعوا في استخدام المجاز على مذهب القصيدة العربية بتأثير من شعراء إيطاليا دانتي وترارك. وسبب ذلك نفور المزاج الأوروبي الملتزم بالتقاليد الكلاسيكية (اليونانية والرومانية) حيث لا يتذوق الشعر بهذه الطريقة العربية في التعبير الشعري ويفضل عنها التعبير الشعري المباشر الخالي من المجاز البلاغي إلا في حده الأدنى المباشر والقريب، نظرا لأن الشعر الأوروبي القديم والحديث ذو طابع سردي تغلب عليه لغة المنطق التقريري أكثر من المجاز التصويري، والصورة ذاتُ تحليلٍ بنائي نابعةٌ من نظريتهم في عالم المعرفة لهذا لم يكن للخيال والصورة تلك الأهميةَ، مع قلة استعمال المجاز ومباشرته وبساطته. إذا هي الصورة الفارقة بين منهجيتين ومشتقاتها من مجاز، وتشبيه، وتشبيه مركب... الخ. الصورة المجردة التي تشكل عصب الشعر والقابضة على المعنى، لغة اللغة أو لسانها الصارم الذي يفصح عن مكنونات سرها، العنصر الذي يقابل المادة (الهيولى) التي يصعب الإمساك بها (حسب أرسطو). فمن تلك الثنائية التي عبر عنها غوته (بالروح) والتي تعني التجريد بصيغتها الشرقية، حيث المقابل لها وهو (الجسد) يعني التجسيد، تتضح المفارقة بين المنهجيتين. إحداهما نتاج حمولات روحية ارتوت جرارُها من مطرِ الرسالات السماوية المتعاقبة وتشبعت لواقطُها بذبذباتِها عاليةِ التردُّدِ، لهذا تشظَّتْ بمفردات ذات دلالةٍ سائلة كشيطان الشعر، والوحي الشعري، ووادي عبقر وهو (واد يسكنه الجن)، وكل هذه المفردات تحيل إلى معانٍ مجردة تتعالق وظيفيًّا والممارسة الشعرية، لهذا ليس من المستغرب أن تعاني الصورةِ الشعرية من مطبات فنية في عصور الدعوة الإسلامية الأولى لاقترابهم من المعنى الذي كانت تمثله الصورُ المجردة، بمعايشتها اليومية وفضِّ ختومها نظرا لوجود جسورٍ لمنابعها المباشرة. والأخرى منحدرة تاريخيا من مخاضات الفكر الغربي بنظرياته الوضعية. ذلك الفكر الذي يجمع بين الروح الإغريقية المشبعة بالأساطير والفكر الروماني القديم، والذي أفسح الطريق لمركزية الصورة - (اللوحة) الفنية بصيغتها التجسيدية التي رفعها لطقوس التقديس واستخدمت لتمجيد آلهتهم حيث تجاوز آلهة الإغريق 180 إله وأنصاف آلهة، وزينت بها جدران معابدهم. إذا من خلال هذه المقارنة لطبيعة الصورة في المدرستين الشرقية والغربية ومن خلال رؤية الشعراء والنقاد الغربيين لحقيقة الصورة الشعرية في الشعر العربي يتضح لنا أنه لم يكن الشعر العربي بمختلف محطاته التاريخية مجرد خربشات على حائط الوقت أو ذا نزعة انطباعية، بل هو مشروعٌ فكريٌّ مكتمل الأبعاد باعتباره المنصة المهمة والحامل الأهم للُّغةِ العربية عبر مرآة الصورة، لغةٍ لم يخنها الثراءُ على تكييف واقعها بترجمته لإضافاتٍ تسمحُ لها بإيجاد موطئ قدم على الخارطة الحضارية، بما تحمله من أسرار إعجازية تمثلت في دستورها الأوحد وهو (القرآن الكريم)، فهي في تشكُّلٍ دائمٍ ومستمرٍّ بما تحملُه من رصيد فكري وثقافي، وفي حالة اضطرادية وفق متطلباتٍ مرحليةٍ، بصفتها كائنٌ حيٌّ ينفعل ويتفاعل من خلال قبضها على لحظتها التاريخية. * شاعر وكاتب سعودي