منذ أن بدأ الإنسان يعي صوته الداخلي، والشعر يقيم في منطقة معقّدة من الصيرورة الإنسانية، بين القول والفعل، بين الإغواء والحكمة، وبين ما يُقال ليُدهش وما يُقال ليُبصّر. لم يكن الشعر يومًا مجرد كلام زائد عن الحاجة، ولا زينة لغوية تُعلّق على هامش المعنى، بل كان – في جوهره – محاولة الإنسان الأولى لفهم نفسه والعالم، ومواجهة الغياب، وتسميّة ما لا اسم له في التجربة البشرية. ومن هنا يبرز السؤال الأزلي: هل الشعر موهبة تولد مع الإنسان، أم وسوسة قديمة سُمّيت في التراث “شيطان الشعر”؟ وهل هو طبع قوليّ فطري، أم صناعة لغوية تُكتسب وتُتقن؟ ولماذا، إن كان للشعر وسوسة داخلية تحرّك القريض، لا يكون كل إنسان شاعرًا؟ حين تحدّث العرب عن “شيطان الشعر” لم يكونوا يقصدون بالضرورة حقيقة غيبية، بقدر ما كانوا يصوغون استعارة ثقافية لتفسير لحظة غامضة: لحظة مجيء القصيدة. كيف تأتي الكلمات أحيانًا وكأنها أسبق من وعي قائلها؟ وكيف يُقال ما لا يُدرَّس، ويُصاغ ما لا يخضع لقواعد جاهزة؟ كان “الشيطان” رمزًا لذلك التوتّر الخلّاق بين الوعي واللاوعي، بين التجربة الخام واللغة المصقولة، بين الألم حين يفيض والصوت حين يبحث عن شكل. لكن إدراك هذه اللحظة لا يعني التساوي في العطاء. فليس كل من أحسّ قال، وليس كل من قال أصاب الشعر. السؤال الحقيقي يكمن في سبب تفاوت القصائد في الجودة والقوة، ولماذا يسقط كثير منها في ضعف وترهّل، رغم تشابه الموضوعات، ووحدة اللغة، واشتراك البشر في المشاعر. الجواب أن الشعر ليس إحساسًا فقط، ولا لغةً فقط، ولا خيالًا معزولًا عن الوعي. الشعر لقاء نادر بين ثلاثة عناصر: حساسية داخلية ترى ما لا يُرى، قدرة لغوية تحول الإحساس إلى بناء لا إلى فوضى، ووعي جمالي يميّز بين القول الشعري والقول العادي. كثيرون يشعرون، وقليلون يُحسنون القول، وأقلّهم من ينجح في تحويل الشعور إلى تجربة جمالية قابلة للبقاء. ولهذا، القول بأن الشعر “طبعٌ محض” اختزال مخل، والاعتقاد أنه “صناعة خالصة” تجريد قاسٍ. الطبع هو الشرارة الأولى، لكنه بلا قراءة، وبلا تمرين، وبلا احتكاك عميق باللغة، يبقى شرارة عابرة. والصناعة، إن لم تتكئ على حس صادق وتجربة حقيقية، تتحوّل إلى تمرين بلاغي بارد، مهما بدا محكمًا. الشعر يولد من الطبع، لكنه لا يعيش إلا بالصناعة، ولا يكتمل إلا حين يتوازن الصدق مع المعرفة. كبار الشعراء لم يكونوا أسرى العفوية الساذجة، ولا دعاة صنعة جوفاء. كانوا أكثر الناس اشتغالًا على لغتهم، وأشدّهم وعيًا بتراثهم، وأقساهم على نصوصهم. كانوا يعرفون أن ما يُكتب بسهولة يُنسى بسهولة، وأن الشعر – مهما بدا انسيابيًا – غالبًا ما يمرّ بمخاض طويل من الحذف والاختيار والمقاومة. ويُتّهم الشعر أحيانًا، في أزمنة النفعية الصلبة، بأنه قول بلا فعل، وجمال لا يغيّر الواقع. لكن هذا الاتهام ينطلق من فهم ضيق لمعنى الفعل نفسه. فليس كل تأثير مباشرًا، ولا كل فعل صاخبًا. الشعر يفعل في أعماق الإنسان: يعيد ترتيب الحساسية، ويهذّب الذائقة، ويمنح اللغة قدرة على مقاومة الابتذال. وحين تفسد الذائقة، يترهّل الوعي، ويصبح القبح مألوفًا، والزيف مقبولًا، ويغدو الكلام – مهما كثر – بلا أثر. يبقى الشعر متأرجحًا بين الإغواء والحكمة. فالإغواء وحده يدهش ثم يتلاشى، والحكمة المجردة تثقل دون أن تُحبّب. أما الشعر الحقيقي، فهو الذي ينجح في الجمع بينهما: يأخذ القارئ بجماله، ثم يتركه أمام أسئلته. لا يعظه، ولا يكتفي بإبهاره، بل يقيم فيه بعد القراءة، ويقلق يقينه، ويمنحه متعة التفكير لا راحة الجواب. الشعر ليس للجميع، لكنه يخاطب الجميع. ليس كل إنسان شاعرًا، لكن كل إنسان محتاج إلى الشعر، لأنه المرآة التي يرى فيها اللغة أجمل احتمالاتها، وترى فيها النفس صورتها وهي أكثر صدقًا وأقل ادّعاءً. وإذا كان للشعر “شيطان”، فهو الصوت الداخلي الذي لا يزور إلا من هيّأ له قلبًا يقظًا، ولغة واعية، وضميرًا جماليًا يعرف أن الكلمة – حين تُقال شعرًا – ليست ترفًا، بل مسؤولية. في النهاية، وضع الشعر تحت المجهر ليس مجرد تمرين فكري، بل دعوة للوعي. إنه اختبار لكل قارئ: هل يستطيع أن يرى ما وراء الكلمات، ويميز بين وسوسة القول وحكمة الصياغة؟ وهل يرفع عقله إلى مستوى النص، أم يكتفي بسطحيّة التجربة؟ الشعر الحقيقي لا يُقرأ فقط، بل يُعاش، ويُفكّر فيه، ويُقدّر بحسّ وإدراك. الشعر تحت المجهر: اختبار الذكاء والذائقة والضمير، وميدانه لا يقبل السهولة. ومن أدرك ذلك، ارتقى. ومن لم يدركه، بقي بين السطور.