الزواج ..أزمة قيم أم تناقض في الشروط؟

ليس صحيحًا أن تأخر الزواج في السعودية سببه تغيّر القيم أو ضعف الرغبة في تكوين الأسرة. هذا تفسير كسول يريّح الضمير أكثر مما يفسّر الواقع. الحقيقة أن الزواج لم يعد قرارًا اجتماعيًا بسيطًا، بل أصبح مجازفة اقتصادية ونفسية في بيئة ترفع سقف التوقعات وتقلّل أدوات الأمان. الأرقام لا تقول إن الناس توقفوا عن الزواج، بل تقول إنهم باتوا أكثر حذرًا؛ ففي عام واحد سُجّل أكثر من (150) ألف عقد زواج، مقابل نحو (58) ألف حالة طلاق، وهي نسبة كافية لإقناع أي عاقل بأن الدخول غير المحسوب في الزواج قد يكون كلفته أعلى من احتماله. الزواج اليوم مشروع مالي ثقيل، لا استحقاقًا عاطفيًا عابرًا. فمن يطلب من شاب أو فتاة الإقدام على الزواج دون أن يلتفت إلى كلفة السكن والالتزامات الشهرية إنما يطلب منهم القفز في المجهول. حين يقترب متوسط إنفاق الأسرة من دخلها المتاح، يصبح الحديث عن الادخار والاستقرار أشبه بالموعظة المجردة. المشكلة ليست في غياب المال، بل في غياب الهامش الذي يسمح بالخطأ، والزواج بطبيعته قرار لا يخلو من الخطأ. السكن هو العقدة التي يتجاهلها الخطاب الأخلاقي عمدًا. في مجتمع يرى البيت المستقل شرطًا سابقًا للزواج، ومع وجود أكثر من مليون وأربعمائة ألف أسرة سعودية تعيش بالإيجار، يصبح تأخر الزواج نتيجة منطقية لا انحرافًا اجتماعيًا. نطلب من الشباب الاستقرار قبل الزواج، ثم نستغرب لماذا لا يتزوجون. هذه ليست أزمة قيم، بل تناقض في الشروط. نلوم الخوف، كأن الخوف عيب. الخوف من فشل الزواج اليوم ليس وهمًا، بل استجابة عقلانية لواقع تُتداول فيه قصص الطلاق أكثر مما تُبنى فيه مهارات الوقاية منه. الناس لا تخاف من المسؤولية بقدر ما تخاف من الاستنزاف العاطفي والاجتماعي إذا فشل الزواج. ومن الغباء أن نطالبهم بالشجاعة بينما نحرمهم من أدوات تقليل المخاطر. زاد الأمر تعقيدًا أن الزواج لم يعد مجرد إطار اجتماعي، بل حُمّل وعودًا ضخمة: توافق نفسي دائم، شراكة فكرية، جودة حياة، وإشباع عاطفي مستمر. هذا الارتفاع في سقف التوقعات لم يأتِ معه تدريب ولا تأهيل ولا إعادة تصميم للأعراف. النتيجة طبيعية: بحث أطول، تردد أكبر، وتأجيل محسوب. ليس لأن الشباب مدللون، بل لأن المعادلة أصبحت أثقل من أن تُحل بالاندفاع. المشكلة الحقيقية أن المجتمع ما زال يطالب بزواج كامل من أول خطوة، بينما يرفض الاعتراف بأن الواقع لم يعد يسمح بذلك. نريد بيتًا مستقلاً، واستقرارًا ماليًا، ونضجًا نفسيًا، وتوافقًا عاليًا، لكننا لا نوفر مسارات انتقالية ولا دعماً مؤسسياً ولا أعرافًا مرنة. ثم نتفاجأ بأن القرار يتأخر. هذا ليس عزوفًا، بل عقلنة متأخرة لواقع قاسٍ. الحل ليس في خطب تحفيزية ولا في جلد جيل كامل، بل في كسر الوهم القائل إن الزواج سيعود كما كان دون أن نغيّر شروطه. لا بد من فصل الكرامة عن البذخ، ومن الاعتراف بالسكن المرحلي بوصفه حلًا لا عيبًا، ومن تأهيل حقيقي قبل الزواج يركز على المال والتواصل وإدارة الخلاف، لا على المثاليات. الزواج لا يحتاج إلى مزيد من الوعظ، بل إلى تخفيف كلفته، وتقليل مخاطره، وبناء مهاراته. وكل خطاب يتجاهل ذلك، مهما بدا أخلاقيًا، لن ينتج أسرة مستقرة، بل مزيدًا من التأجيل والصمت. * مساعد مدير تعليم القصيم سابقاً رئيس جمعية السكر حالياً