عرفت الدكتور محمد بن صالح الرصيص قبل عشرين عاماً، عندما كان عضواً بمجلس إدارة الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون وأميناً للمجلس، ثم أصبح رئيساً لمجلس إدارتها، إضافة لعمله بكلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض ورئيساً لقسم التربية الفنية بالكلية. وفي العام 2023 كنت أعد كتاباً عن الفنان الراحل عبد الجبار اليحيا (1931 - 2014م) بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاته، اتصلت بزميله الرصيص وقام بمد يد المساعدة لي من خلال موجوداته من مقالات أو صور أو معلومات وبذل جهداً بالاتصال بصالة حوار لتتولى نشر الكتاب ولكنهم اقترحوا حذف فصلين منه (الشعر والترجمة) والاكتفاء بأعماله التشكيلية، فرفضت وتوليت نشر الكتاب كما أعددته. توثقت بعد ذلك علاقتي بالفنان والمعلم أبي خالد، ودعاني لحضور معرض (بين الطراز) الذي أعده معهد مسك للفنون منتصف عام 2025 بصالة الأمير فيصل بن فهد للفنون بالرياض، وحضرت افتتاح المعرض ضمن سلسلة المعارض الفنية، وهذه النسخة الثانية منه احتفاء بالفنانين خليل حسن خليل ومحمد الرصيص، وتم عرض عشرين عملاً فنياً للدكتور الرصيص، والتي تظهر مكامن التجذر العميق له في التراث النجدي، وقراءته المعاصرة للعناصر المعمارية التي شكلت هوية مدينته. وصدر كتاب بالمناسبة ضم ترجمة لحياته العلمية والعملية وصور للأعمال المعروضة، ومن ترجمته التي وردت: « يعد محمد الرصيص أحد أبرز الشخصيات الرائدة في الساحة الفنية السعودية، وقد اشتهر بالطابع البصري - المسطح - للوحاته، والتي يحتفى فيها بالنسيج الثقافي الفني والتراث المعماري المميز لمنطقة نجد حيث ولد وترعرع، وقد صور الرصيص بأسلوبه الحاد مختلف عناصر التراث السعودي من خلال عدسة تجريدية مبتكرة..» «.. بدأ الرصيص في رسم لوحاته المعمارية المستوحات من العمارة النجدية، وهو توجه استمر في تبنيه طوال مسيرته الفنية، وجاءت أعماله تحت عناوين مختلفة (أشكال معمارية) و(عناصر معمارية) و(تكوينات معمارية)، وتتنقل هذه اللوحات بين مستويات مختلفة من التجريد، إذ يتميز بعضها بتلاعب هندسي دقيق بأشكال المباني.. الخ» ص12 «.. تبقى أعمال الرصيص جزءاً لا يتجزأ من التعبير الثقافي المحلي، إذ تجمع بين التمثيلات الخارجية للحياة الريفية والتجليات الوحدانية العميقة للناس...» وقدمت للكتاب آرام العجاجي وندى العرادي بقولهما: «محمد الرصيص رسام ومعلم وكاتب وناقد فني، يتميز بابداعاته التجريدية التي تعكس جماليات العمارة النجدية المحلية والتقليدية، وقد ترك من خلال كتاباته النقدية القيمة بصمة عميقة في توثيق تاريخ الفن السعودي، ما رسخ مكانته كشخصية رائدة في المشهد الثقافي الوطني، نجح على مدى مسيرته الفنية في تطوير رؤية جمالية تمزج بين اتجاهات المدرسة التجريدية، مستلهمة من عراقة التراث السعودي..» ص17 «.. عاد محمد الرصيص إلى المملكة في عام 1989م ليبدأ مسيرة أكاديمية جديدة أستاذاً مساعداً في قسم التربية الفنية بكلية التربية بجامعة الملك سعود بالرياض، وعلى مدار ثمانية عشر عاماً قدم إسهامات كبيرة للكلية، حيث شغل منصب رئيس القسم لمدة ستة أعوام من عام 1992 حتى عام 1997م وبعد تقاعده في عام 2006م تولى أدواراً قيادية في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون حيث عمل أميناً لمجلس الادارة لمدة خمسة أعوام قبل أن يقلد منصب رئيس المجلس..» ص18 اخترت الاستشهاد بالكتاب (بين الطراز) لحداثته وبساطته، وإنما سبق أن صدر كتاب أكبر وأضخم من مؤسسة الفن النقي بتاريخ 1423هـ 2002م بمناسبة إقامة المعرض الشخصي الرابع للفنان الرصيص برعاية مؤسسة الفن النقي بصالة العروض الزائرة بمركز الملك عبد العزيز التاريخي، وقد اشتمل الكتاب على دراسات فنية موسعة تتناول سيرة ومسيرة الفنان الرصيص بتقديم وقراءة للوحة الغلاف (أفراح زمان) للفنانة التشكيلية غادة بنت مساعد، وسيرة مفصلة للدكتور لا يتسع هذا المقال لاستعراضها، ففيها المؤهلات العلمية، والتدرج الوظيفي، والنشاطات الفنية، والأعمال البحثية والثقافية، والأعمال الإدارية وعضوية اللجان بقسم التربية الفنية وكلية التربية بجامعة الملك سعود، ثم كلمة للفنان محمد الرصيص، يليها دراسة موسعة للأستاذ الدكتور محمد عبد المجيد فضل بعنوان (ملامح من السيرة الذاتية والتعليمية للدكتور محمد الرصيص) ص(16 - 38)، ودراسة أخرى للدكتور معجب الزهراني بعنوان (تجربة تحتفي بجماليات العمران وأسرار الكائنات الصغيرة) ص40 - 58 يليها دراسة وقراءة للأستاذ الدكتور أحمد عبد الكريم بعنوان (قراءة نقدية للتجربة الجمالية للفنان الدكتور محمد الرصيص) ص60 - 78، يليها مقال للفنانة التشكيلية الأستاذة هدى العمر بعنوان (عطاء فنان) ص80 - 83. فدراسة أخرى للفنان أو الرائد عبد الجبار اليحيا بعنوان (محمد الرصيص - الفنان المثقف) ص84 - 96 يليها ترجمة للكتاب وصور لأهم أعمال الرصيص. أمامي كتب أخرى لمعارض فنية خاصة للفنان الرصيص أو لمعارض شارك بها ولكني سأكتفي بهذا المقال القصير بالعمل الجميل والوافي الذي قام به الدكتور محمد الرصيص وهو (تاريخ الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية) والذي نشرته وأصدرته وزارة الثقافة والإعلام ضمن برنامج (المشهد الثقافي) رقم 3. عام 1431هـ 2010م. بتقديم الدكتور عبد العزيز السبيل وكيل الوزارة للشؤون الثقافية الذي قال عن المؤلف: «.. مؤلف هذا الكتاب الدكتور محمد الرصيص فنان تشكيلي له تجربته وإسهاماته الفنية، وأكاديمي متخصص في الفن التشكيلي، رأس قسم التربية الفنية بجامعة الملك سعود، وساهم في التدريس والإشراف الأكاديمي، هذه المسيرة انعكست إيجابيا على هذا الكتاب الذي مزج بين الأكاديمية في التناول والطرح، وإضفاء وجهة النظر الفنية حول الأعمال وأصحابها، وتم تضمين الكتاب الكثير من صور الأعمال الفنية لتتكامل الرؤية أمام القارئ…» ص9 وقال الرصيص في مقدمته: «.. وقد اعتمدت في إعداد مادة هذا الكتاب على معايشتي ومتابعتي لنشاطات الفن التشكيلي بالمملكة لأربعة عقود، ومشاركتي في عدد من النشاطات الفنية المحلية والخارجية، وعلى خلفيتي العلمية في مجالي الفن التشكيلي والتربية الفنية، كما حصلت على معلومات قيمة من خلال مائة استبانة من الفنانين والفنانات، ومن خلال المقابلات الشخصية مع الرواد منهم، وأيضاً فإن الكتاب يضم بالإضافة إلى الجانب التاريخي بعضاً من الجوانب لعدد من المدارس والأساليب الفنية العالمية المؤثرة على الاتجاهات الفنية المحلية، ولكي يكون لدى القارئ فهم أكثر لمحتوى الكتاب، أشير إلى أن المقصود بالفن التشكيلي هو تلك المجالات الفنية التعبيرية التي ينتجها الفرد (الفنان) عن طريق خامات وتقنيات، وأدوات متنوعة…» ص13. قسم الكتاب إلى ثمانية أبواب. الأول: تقديم تاريخي ثقافي. والباب الثاني: مراحل النمو والتطور. من عام (1373 - 1390هـ / 1953 - 1970م). والمرحلة الثانية (1391 - 1400هـ / 1971 - 1980م). والمرحلة الثالثة (1401 - 1423هـ / 1981 - 2002م). المرحلة الرابعة (1424هـ / 2003م وحتى تاريخه). والباب السادس: المصادر والمجالات والاتجاهات الفنية، والباب السابع: الرواد الأوائل والأجيال. وعرَّفهم بقوله: « مما تم عرضه في الأبواب السابقة، يتضح أن هناك عدداً من الفنانين برزوا أكثر من غيرهم لأسبقيتهم الزمنية، وبعطاءاتهم وإنجازاتهم الفنية والثقافية في السنوات الأولى من عمر الفن التشكيلي في المملكة، وطوال حياتهم الفنية بصفة عامة. وهذين المعيارين هما ما استندت عليه في تسمية (الرواد الأوائل) من مواليد الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين. وذكر منهم وفي المقدمة: عبد الجبار اليحيا، وشقيقه عبد الله الشيخ، وعبد الحليم رضوي، ومحمد موسى السليم، وخالد الفيصل، وصفية بن زقر..الخ الباب الثامن: رؤية مستقبلية (توصيات). وفي الختام المراجع وترجمة المؤلف. تحية تقدير واحترام للدكتور محمد الرصيص على ما قدم من جهود لم تسبق وخلد ذكرى تستحق الذكر والشكر.