العادات الصحية القديمة عبر الثقافات..

حين كانت الوقاية أساس العافية.

لطالما سعى الإنسان منذ العصور القديمة للحفاظ على صحته بصورة جيدة، معتمداً على الممارسات اليومية و الأساليب التقليدية المتعارف عليها في بيئته و التي تشكلت مع مرور آلاف السنين، مستعيناً بما توفره له الطبيعة من موارد و منافع لتحقيق هذا الهدف. هذه الممارسات ليست فقط عادات مجتمعية تأصلت في مختلف الحضارات، بل هي انعكاس لفهم عميق للصلة المباشرة بين تلك الممارسات و الصحة الجسدية و النفسية. قديماً، لم يكن مفهوم الصحة مرتبطاً بالعلاج من الأمراض فقط، بل كان أسلوب حياة يومي يشمل الحركة و الغذاء و الراحة النفسية، و هي الحقيقة الملموسة التي ساهمت في بقاء الإنسان بصحة جيدة وسط ظروف الحياة المتغيرة عبر السنين و في مختلف مناطق العالم. تراكمت الخبرات عبر الأجيال و أدرك الأجداد أهمية عاداتهم اليومية في تشكيل صحتهم على المدى البعيد، و ورثت الأجيال التي تلتهم الكثير من هذه العادات، كتلك المتعلقة بالأنشطة البدنية المعينة أو الأنظمة الغذائية المختلفة. في عصرنا الحديث، و مع التطور الذي شهدت المجالات الطبية و الصناعية، تغيرت عادات و أنماط حياتنا بشكل كبير، مما أدى إلى اندثار بعض العادات الصحية القديمة، و تصدر المشهد اعتماد ملحوظ على العقاقير و الأدوية و المكملات الغذائية. دراسة الممارسات القديمة لا تقتصر فقط على أبعادها التاريخية، بل هي أيضاً فرصة لاستلهام بعض السلوكيات البسيطة و الفعالة و التي بإمكانها تحسين جودة الحياة في الوقت الحالي. صحيح بأن العديد من الممارسات القديمة لم تعد مستخدمة في زمننا المعاصر، و يعود السبب لكون بعضها ضار أو غير فعال، لكن العديد منها تحمل قيمة عالية، كتلك القائمة على الحركة الطبيعية اليومية و الأغذية الموسمية الصحية. الكثير من الممارسات اليومية و العادات المجتمعية للأجيال السابقة أثبتت فعاليتها على الصحة العامة و الوقاية من الأمراض، و البعض منها يتناسب مع أسلوب حياتنا الحديث و المعاصر.على سبيل المثال، في منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، كانت التوابل و الأعشاب الطبيعية مثل الزعتر و الحبة السوداء و الكركم، جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. في العصر الحديث، باستطاعتنا الاستفادة من مختلف أنواع هذه الأعشاب التي أثبتت الدراسات و السنوات مدى فعاليتها و أمانها على عدة وظائف حيوية كتحسين الهضم و تقوية المناعة، و استثناء تلك التي تحوم حولها العديد من التساؤلات و الاحتمالات عن أضرار نحن في غنى عنها. بالإضافة إلى الأساليب الغذائية، اعتمد الناس في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا قديماً على المشي و النشاط البدني المعتدل، كما اشتهروا بالتزامهم بجداول نوم طبيعية و منظمة، مما ساعدهم في الحفاظ على صحتهم البدنية و النفسية، و هي ممارسات لابد من السعي في الحفاظ عليها في العصر الحديث. أما في بريطانيا، ارتبطت العادات الصحية التقليدية بالطبيعة و نمط الحياة اليومي البسيط و المنظم، مما ساعد على تحسين جودة الحياة و تقليل التوتر النفسي. من أهم هذه العادات المشي في الأرياف و الحدائق و المساحات الزراعية و لمسافات طويلة، و هو ما يعتبر في الزمن المعاصر من أساسيات تحسين الصحة على الصعيدين الجسدي و النفسي. اعتاد الأجداد الإنجليز أيضاً على عدة مشروبات ساهمت في تهدئة الأعصاب و تحسين جودة النوم، كالبابونج و النعناع و الخزامى، و لا تزال هذه الممارسات آمنة في عصرنا الحالي ما إن استهلكت بكميات تتناسب مع الحالة الصحية للمستخدم. أما في اليابان، فقد ارتبطت العادات الصحية بمفاهيم البساطة و الراحة و الاعتدال في الحياة اليومية. كان اليابانيون القدماء مهتمين جداً بالنظام الغذائي الغني بالخضروات و الأسماك و الأرز. كما تميزوا بقوتهم الجسدية رغم تقدم بعضهم بالعمر لاهتمامهم الشديد بالحركة و النشاط الجسدي و الذي كانوا يحرصون عليه خلال قيامهم بالأعمال الزراعية التي تطلبت مجهوداً كبيراً و مستمراً. كما امتاز اليابانيون قديماً بشرب الشاي الأخضر بشكل يومي، و هو المشروب الغني بمضادات الأكسدة مما يقوي من الدفاعات المناعية للجسم ضد الأمراض. و في منطقة البحر الأبيض المتوسط، اعتمد الأجداد على نظام غذائي مميز و دقيق، قائم على الخضروات و الفواكه و البقوليات و الأسماك و زيت الزيتون، و هو النظام الغذائي الشهير المتعارف عليه اليوم بالنظام الغذائي المتوسطي. أثبت هذا النظام الغذائي مدى فعاليته في الوقاية من عدة أمراض منها أمراض القلب و الأوعية الدموية على المدى الطويل، مما جعله من أكثر الأنظمة الغذائية الموصى بها عالمياً. النظام الغذائي المتوسطي من أسهل السلوكيات الصحية القديمة التي يمكننا إدراجها في نمط حياتنا اليومي، من خلال زيادة استهلاك الأغذية الطبيعية الطازجة و الصحية، و التقليل من الأطعمة المصنعة، بالإضافة إلى الاستفادة من مختلف أنواع الحبوب و البقوليات في تحضر الوجبات اليومية المتنوعة. تتعدد الممارسات الصحية التقليدية و تختلف باختلاف الحضارات و الثقافات للأشخاص القائمين بها، فالصينيون اهتموا بالحجامة، و البيروفيون اعتمدوا على الكينوا التقليدية، و البرازيليون حرصوا على الفواكه الاستوائية الطبيعية، و النيباليون ركزوا على الأعشاب الجبلية، و غيرهم الكثير. ما يجب أن نصب تركيزنا عليه اليوم هو إعادة النظر في العادات الصحية التقليدية في هذه الحضارات ليس بهدف التثقف و المطالعة فقط، لكن بهدف تنقيتها و استخلاص ما يمكننا الاستفادة منه حالياً في وقتنا الحالي من ممارسات بدنية و استهلاكات لمواد غذائية قد تبدو بسيطة لكنها ذات فائدة عالية، بالإضافة إلى الابتعاد عن أي ممارسات صحية قديمة و استهلاكات غذائية ضارة و مبهمة الفائدة، كتلك التي لم تثبت الدراسات و التجارب مدى أمانها، مما قد يقود استهلاكها إلى أضرار جسيمة تتنافى مع المقصد الأساسي و هو تحسين جودة الحياة. التقدم العلمي و الطبي الذي نشهده اليوم من أعظم نعم الله سبحانه و تعالى علينا، لكن لابد أن يسعى الإنسان خلف تعزيز ممارساته اليومية و عاداته الغذائية لتكون درعاً يحميه من الحاجة إلى تدخلات طبية هو في غنى عنها، و بعض من عادات الأجداد التقليدية سواء تلك الغذائية أو تلك المرتبطة بالنشاط البدني المنتظم أحد أهم هذه الدروع التي ساهمت في الحفاظ على نعمة الصحة و الوقاية من الأمراض. لذا، التوازن مطلوب بين الأساليب الصحية التي يمكننا تطبيقها بكل أريحية و بين تلك التي تستدعي التدخلات و العلاجات الطبية، لتحقيق مكسب صحي يحتضن خبرات الماضي و الأجداد بالإضافة إلى تطورات الحاضر و المستقبل.