صالح العزاز..

حين تكون الصورة أخلاقاً قبل أن تكون فناً (!)

صالح العزّاز لم يكن مصوّراً بالمعنى التقني الشائع، ولا صاحب مشروع استعراضي يطلب الانتباه، بل كان حالة إنسانية نادرة وجدت في التصوير ملاذها الطبيعي، كأن الكاميرا اختارته لا العكس. منذ صوره الأولى بدا واضحاً أن الرجل لا يتعامل مع المشهد بوصفه مادة بصرية، بل بوصفه كائناً حيّاً يستحق الاحترام والإنصات، ولهذا جاءت صوره هادئة، متواضعة، عميقة من دون أن ترفع صوتها. لم يكن معنياً بإبهار المتلقي، ولا بصناعة لحظة صادمة، بل بإقامة علاقة أخلاقية مع ما يراه: إنساناً كان أو مكاناً أو تفصيلاً عابراً على هامش الحياة. في زمنٍ كانت الصورة فيه تميل إلى الزينة والمبالغة، اختار العزاز طريقاً معاكساً، طريق الصدق البصري، حيث لا شيء زائد عن الحاجة، ولا زاوية تُفرض على المشهد قسراً. السعودية التي نراها في صوره ليست بلداً يُقدَّم بوصفه فكرة، بل بوصفه حياة تُعاش: وجوه تحمل تعبها بكرامة، أماكن لم تُهيّأ للعرض، وأزمنة لم تكن تعرف أنها ستُخلَّد. كان يلتقط الناس كما هم، لا يطلب منهم أن يؤدّوا دوراً، ولا يفرض عليهم حكاية مسبقة؛ يتركهم داخل إطارهم الطبيعي، فيصبح الصمت جزءاً من الصورة، ويغدو الفراغ معنى لا نقصاً. لهذا السبب، لا تشيخ أعماله، لأنها لم تُصنع لتخاطب لحظة عابرة أو ذائقة مؤقتة، بل لتكون شهادة صافية على زمن يتحرّك ببطء. رحل صالح العزاز جسداً، لكن حضوره البصري ازداد رسوخاً مع الغياب، كأن الزمن أنصفه متأخراً، فكلما تسارعت الصور من حولنا، ازدادت صوره ثقلاً ومعنى. ما قدّمه ليس أرشيفاً فوتوغرافياً فحسب، بل ذاكرة أخلاقية، تقول لنا إن الصورة ليست حقاً مكتسباً، بل مسؤولية، وإن الاقتراب من الإنسان يحتاج إلى تواضع لا إلى جرأة مصطنعة. في أعماله إحساس عميق بأن المصوّر شاهد لا قاض، وأن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى رفع الصوت كي يُرى. لذلك يبدو العزاز اليوم أكثر حضوراً من كثيرين ملأوا الساحة ضجيجاً ثم تلاشت آثارهم؛ حضوره قائم في تلك النظرات التي لم يُفسدها، وفي تلك الأمكنة التي تركها تتكلم بلغتها الخاصة، وفي ذلك الإصرار الصامت على أن الفن يمكن أن يكون نبيلاً من دون أن يكون متعالياً. حين نعود إلى صوره الآن، لا نبحث عن حنينٍ ساذج، بل عن معنى ثابت وسط تغيّر جارح، عن عين كانت ترى قبل أن تحكم، وتفهم قبل أن تلتقط. وهذا بالضبط ما يجعل الكتابة عنه اليوم ضرورة لا مجاملة: لأن الحديث عن صالح العزاز هو حديث عن قيمة مهددة، عن أخلاق الرؤية في زمن الاستهلاك البصري، وعن مصوّر فهم مبكراً أن أعظم ما يمكن أن تفعله الصورة هو أن تترك لنا فرصة للتأمل، لا أن تفرض علينا انفعالاً عابراً. هكذا يُستعاد العزاز: لا بوصفه اسماً من الماضي، بل بوصفه معياراً صعباً، ودرساً مفتوحاً، وشاهداً بصرياً نادراً لم يرفع صوته أبداً، لكنه قال الكثير، وسيظل يقول، كلما نظرنا إلى صوره بعينٍ أقل استعجالاً وأكثر إنصافاً. (*) كاتب وصحافي سعودي