حكاية الأستاذ«خلف»في بلاد شكسبير.

بدأ اهتمام الأديب الكويتي الشاعر “فاضل خلف” بالشعر والقصّة وارتبط بنحوٍ ما بتاريخ الإذاعات، وخاصّة هيئة الإذاعة البريطانية في “لندن”، والتي كانت تتواصل مع مٌستمعيها في الدّول العربية من خلال موادّ يبثّها القسم العربي، تتراوح إضافة للأخبار والبرامج، مُسابقاتٍ أدبية خاصّة بالشّعر والقصّة القصيرة. ولذلك فقد أتيح له أن يفوز في مسابقة الشّعر بالمرتبة الأولى بين أكثر من 300 مُتسابق، بقصيدته “الإنسان في عالم الغد”، وذلك في عام 1964.. وقبلها في عام 1948 فاز في مُسابقة القصّة القصيرة، والتي اشترطت الإذاعة نصّاً لا يتجاوز 500 كلمة، وكانت القصّة بعنوان “سُكون الليل”، وبموجبه استحقّ النصّ الفائز جائزة الإذاعة، التي منحت الكاتب اشتراكاً لمُدّة عام في مجلّة “المُستمع العربي” التي تُصدرها الإذاعة شهريّاً. ولتعلّم الأستاذ اللّغة الإنجليزية قصّة طريفة، إذ أنه زار عيادة الطبيب الإنجليزي “كرين وي” في الكويت، في صيف عام 1940، بسبب ألمٍ في رأسه، وبعد أن عاينه الطبيب ووصف له الدواء، قال له: “أتريد أن تقرأ شيئاً عن الحرب”؟ وكانت الحرب العالمية الثانية مُستعرةً في أوروبا آنذاك، ثم ناوله مجلّة إنجليزية مُصوّرة، وقال: “خُذها معك، فإن فيها كلّ شيءٍ عن الحرب”. خرج الأستاذ من عيادة الطبيب، والدواء في يده والمجلّة في اليد الأخرى، ولكن إلى أين؟ يقول: توجّهتُ إلى حيث تُحلّ هذه الرموز! ولم أشعر إلا وأنا واقفٌ أمام مخزنٍ لبيع الكُتب، لأسأل عن ثمن قاموس “الجيب عربي-إنجليزي”، من تأليف “إلياس أنطون”. وقد شارك “فاضل خلف” في إصدار أول جريدة رسمية في بلاده وهي “الكويت اليوم” في عام 1954، وبعد صدور الأعداد الأولى من الجريدة اقترح القائمون عليها إصدار مجلّةٍ أدبية فكرية، ولذلك سافر الأستاذ إلى “مصر” حيث قابل العديد من الأدباء، تمهيداً لإصدار مجلّة “العربي” الثقافية. ومن الأدباء الذين التقى بهم الأستاذ “توفيق الحكيم”، والذي لم تكن مقابلته لقاءً عابراً، فلقد سأله “الحكيم” عن اللُّغات التي يُجيدها، ثم ذكّره بالكُتّاب المصريين الذين سافروا إلى أوروبا: كالمازني وطه حسين والزيّات؛ مُضيفاً أن كتاباتهم تميّزتْ بالرقّة والعذوبة والرومانسية حتى في معاركهم الأدبية، بينما ظلّ من لم يُتح له السفر: كالرافعي؛ صعبيّ المِراس ومُتشدّدين في آرائهم، خوفاً منهم على اللُّغة العربية. ولذا، فقد سعى الأستاذ “فاضل خلف” للسفر إلى “بريطانيا” للدراسة في معهد الفنون والآداب بجامعة “كمبردج” خلال الفترة من عام 1958 إلى 1961، وكانت إقامته هناك فُرصةً لكتابة مقالاتٍ أدبية تجاوزت الأربعين مقالاً، يتلقّاها المُستمع العربي غبر إذاعة “البي بي سي” في “لندن”. وكتب الأستاذ مقالاً في مجلّة “العربي” بعنوان “ العدد الأول ثمنه مائة جنيه إسترليني”! يروي فيه حكاية طريفة جديرة بالرواية، يؤكّد أنها واقعية ليس فيها أيّ زيادة أو نقصان، لا في الشكل ولا في المضمون.. كان يُقيم في مدينة “كمبردج”، وفي صباح يومٍ عاصف مطير في أواخر شهر ديسمبر من عام 1958، رنّ الجرس في منزله ففتح الباب، وإذا بالطارق هو ساعي البريد وهو يسأل عن “السير Sir فاضل خلف”! ولقد دُهش الأستاذ لأول وهلة، لكنه رأى الساعي يحمل ظرفاً كبيراً مُسجّلاً مكتوباً عليه العبارة المذكورة، فقال لساعي البريد أن صاحب هذ المغلّف غير موجود الآن، لكنه سيجده إذا عاد في مثل هذا الوقت غداً، فانصرف شاكراً. وبدأ يفكّر في الأمر، إن لقب “سير” لقبُ سامٍ تمنحه الملكة للمواطنين الذين قدّموا خدمات جليلة للإمبراطورية، إذاً فلا بدّ أن هناك خطأ ما في الأمر، ولكن عليه أن يستعدّ لتسلّم المظروف بهيئةٍ تليق بحامل هذا اللقب! فذهب لأقرب محلّ للملابس الجاهزة، وانتقى بدلةً لائقة وقُبّعة من قُبّعات علية القوم في العصر الفيكتوري، بمبلغٍ يصل إلى 100 جنيه إسترليني. وعندما جاء ساعي البريد في اليوم التالي، قدّم الظرف للأستاذ وهو يُحدّق في وجهه وهيئته، ولعله اكتشف أن هذا المُختبيء في البدلة هو صاحبه بالأمس، ولكنه لم يكترث كثيراً بالأمر، بل تناول الوصل بعد التوقيع عليه، وحيّاه وانصرف. وعندما فتح الأستاذ الظرف، وجد بداخله العدد الأول من مجلّة “العربي”، وقد كُتب على الظرف عن طريق الخطأ، ذلك اللقب الرنّان بدلا من: “السيّد Mr.”! وهكذا أصبح ثمن العدد الأول من المجلّة بالنسبة إليه 100 جنيه إسترليني، أما تلك البدلة التي لبسها مرّةً واحدة في حياته، فقد أهداها لأحد أصدقائه الإنجليز قبل مُغادرته لتلك البلاد في عام 1961!