في السعي حياة.
يعيش الإنسان بالتجدّد والسعي الدؤوب الذي يمنح الحياة معناها، لا بالسكون؛ تمامًا كما تفعل مياه المطر حين تهطل، فتفيض بها مجاري الجبال والأودية، قبل أن تستقرّ غديرًا ساكنًا إذا لم تحرّكها الرياح. فالحياة، في جوهرها، فعلُ انتقالٍ دائم، والمكوث في الموضع ذاته يُبهت الروح ويُضعف الحافز، مهما بدا في ظاهره مريحًا. أدرك آباؤنا وأجدادنا هذه الحقيقة باكرًا، فجعلوا من السعي سبيلًا للتجدّد؛ اشتغلوا بالسيارات، وتجارة الغنم، والتحقوا بوظائف مختلفة، وكلّ ما يدرّ رزقًا حلالًا. علّمونا، وعرفوا قيمة الدراسة في صناعة جيلٍ يبني الأوطان، ويتسنّم اليوم أعلى المراتب. بالنسبة لي، فأنا مؤمنٌ بأن الراحة الحقيقية لا تأتي إلا عبر الكدّ والعمل ما دام الإنسان قادرًا على ذلك؛ لأن التوقّف وهنٌ يُدخل المرء في دوّامة فراغ لا يعود عليه بنفع. وقد قال الأوّلون: «الحركة بركة». وحتى من يحبّونك، حين تغيب عنهم، يزيد غلاك، ويتكشّف مقدار حضورك؛ فأعطِهم فرصة ليشعروا بمكانتك. كانت دراستي للماجستير في جامعة الملك عبدالعزيز، في تخصّص الإعلام الرقمي، في صلب فكرة ذلك التجديد الذي تعمّدته، وكانت إضافةً لحصيلتي العلمية، وكسرًا لحاجز الملل الذي يتسلّل حين تمارس العادات نفسها، يومًا بعد يوم، من خروجك من المنزل إلى عودتك إليه. في مثل هذه الرحلات العلمية، تشعر بأنك حيٌّ على نحوٍ مختلف؛ عقلٌ تُثريه المعلومات، وبدنٌ تُضخّ فيه الحياة، والأهم: أن تعيش دهشة اكتشاف الجديد. هل أدركتم الآن حجم ما يمكن أن يكسبه الإنسان من خوض تجارب جديدة؟ فالمسألة، إذن، أكبر من مجرّد الحصول على شهادةٍ كثر حاملوها، أو التفاخر بتحقيق درجة علمية. وما تحمله هذه التجربة من مكتسباتٍ يتجاوز بكثير ما يدفعه الإنسان من مالٍ كي يتعلّم ويطوّر خبراته. تلك اللحظات الشائقة التي تثيرها التجربة لا تُقدَّر بثمن؛ مشاعر عشناها مع زملاء أعزّاء، وأعادت إلينا محطاتٍ وتجارب سابقة في العمر، وربما تفوّقت هذه المحطة عليها بما أضافته من نضجٍ أعمق في النظر، واتزانٍ أوضح في التعامل؛ حيث يجد الإنسان نفسه يتعاطى مع الأشياء بخبرةٍ وواقعية، ويعرف أين يقف منها، وكيف يعطيها حجمها، دون إفراطٍ أو تفريط. ويختصر هذا المعنى البيت القائل: ومن رامَ العُلا في غيرِ كدٍّ أضاعَ العمرَ في طلبِ المُحالِ