تطوير التعليم..

يبدأ من المعلمين والمدارس لا من الأكاديميين والجامعات !!

ينفذ المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي هذا الأسبوع “مبادرة تطوير المعلمين وقيادات المدارس” في خطوة تعدّ غير مسبوقة، بيد أنّ القائمين في هذه المبادرة أساتذة وأكاديميون من الجامعات السعودية، الأمر الذي أعادنا إلى مشهد قبل عشر سنوات تقريبا يتعلق ببرنامج إعداد المعلمين وتطويرهم، فكانت المخرجات أقل من الطموح كون البرنامج أعدّ بأنماط نظرية لا يتماشى مع ظروف الميدان التعليمي، ولا ينطلق من تحدياته ومرتكزاته. إنّ تطوير المعلم وقائد المدرسة أساس في العمل التعليمي، وخطوة فاعلة وكبيرة في منظومة التعليم، وهو هدف وطني نتفق جميعًا على ضرورته، ونثمّن الجهود التي يبذلها المعهد الوطني في هذا المجال، إدراكًا لحساسية المهمة وأثرها العميق في جودة المخرجات التعليمية، ومن باب الشراكة المهنية، وحرصًا على تعظيم الأثر، يبرز تساؤل مشروع يتداوله العاملون في الميدان: إلى أي مدى تعكس برامج التطوير واقع المدرسة اليومية، واحتياجات المعلم وقائد المدرسة الفعلية؟ فالميدان التعليمي بيئة حيوية ومتغيرة، تتقاطع فيها الأدوار والمسؤوليات، ويواجه فيها المعلم وقائد المدرسة تحديات عملية لا تظهر دائمًا في الأطر النظرية أو النماذج العامة، ومن هنا، فإن اقتراب البرامج التطويرية من تفاصيل هذا الواقع، واستلهامها من خبرات الممارسين أنفسهم، من شأنه أن يعزز فاعليتها ويجعل أثرها أعمق وأكثر استدامة. ومما لا شكّ فيه أن إشراك المعلمين وقادة المدارس في تصميم البرامج، أو الاستفادة من تجاربهم الميدانية عند إعداد المحتوى التدريبي، لا يُعد انتقاصًا من الخبرة الأكاديمية، بل هو تكامل محمود بين النظرية والتطبيق، يُثري البرنامج ويمنحه بعدًا عمليًا ينعكس مباشرة على الأداء داخل المدرسة، وفي هذا الإطار تزخر مدارسنا في الوطن بالمعلمين الأكفاء، الذين أكملوا الدراسات العليا في عمق تخصصاتهم، بل لدينا معلمون يحملون درجة الدكتوراه في المناهج، وطرق التدريس، وتطوير الحقائب التدريبية، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من التخصصات ذات الاهتمام المشترك في الميدان. ولعل من المهم أيضًا مراعاة أن كثافة المهام الملقاة على عاتق الميدان تتطلب برامج مرنة، واقعية، ومتصلة بالتحديات الحقيقية، بحيث يشعر المتدرب أن ما يتلقاه يُعينه في عمله اليومي، ويضيف إلى ممارسته، لا أن يُثقل كاهله بمتطلبات إضافية بعيدة عن واقعه،  ومن المعلوم بجلاء أن هناك تكامل واضح بين المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي ووزارة التعليم فيما يتعلق بتطوير المعلمين وقادة المدارس، ولا ندري أين موطن التكامل في هذه المبادرة تحديدا؟ أو ربما كان التكامل في فرص متنوعة أخرى خارج إطار المبادرات، وعلى أيّة حال، فإنّنا اليوم أمام فرص حقيقية لتطوير الميدان من الداخل لا من الخارج، من خلال المعلمين المميزين، والذين يحملون رخص التدريب، ولديهم الخبرات الكافية، وممن تشكل خبراتهم نسبة أكبر في الممارسة التعليمية. إننا على ثقة بأن المعهد الوطني، بما يملكه من خبرات وإمكانات، قادر على تعزيز جسور التواصل مع الميدان، وجعل صوت المعلم وقائد المدرسة جزءًا أصيلًا من عملية التطوير، فالتطوير المهني الأكثر نجاحًا هو ذاك الذي يُبنى بالشراكة، ويُصاغ بروح الميدان، ويُوجَّه لخدمته، فحين يصمّم التطوير بعيدا عن الميدان، فإنّ النتائج لن تكون أكثر واقعية، فالميدان التعليمي ليس نظريا، ويتمتع بمرونة وتغيرات إيديولوجية متنوعة في مختلف المراحل، وعلى ضوء ذلك فجميع البرامج التي تهتم بتطوير الميدان وصُنعت بعيدا عن المدارس وبيئات التعليم، فهي برامج شكلية وإن بدت لامعة ومؤثرة. إن استمرار البرامج النظرية، من خلال أكاديميين غير ممارسين للتعليم في المدارس، يجعل الفجوة بين البرامج والواقع التعليمي تتسع، ويتحول التطوير إلى عبء والدورات المقدمة أو المبادرات واجب شكلي، ووقت مهدور. نحن لا نرفض التطوير، بل نطالب به وبقوة، ونريده تطويرًا نابعًا من الميدان، يستند إلى احتياجات حقيقية، ويعترف بأن المعلم ليس مادة للتجريب، ولا القائد المدرسي حقلًا للاختبار النظري، نطالب ببرامج يُشارك في تصميمها من عاشوا “الطباشير” والسبورة، والإدارة المدرسية والطلاب، لا من اكتفوا بقراءة التقارير، ودرسوا النظريات. وختامًا، يبقى الهدف المشترك هو تعليم أكثر جودة، ومعلم أكثر تمكينًا، ومدرسة أكثر فاعلية، وهي غايات لا تتحقق إلا بتكامل الرؤى وتلاقي الخبرات، وإن أقوى برامج التطوير في العالم خرجت من قلب المدارس، ومن أفواه المعلمين، ومن تجارب القادة، فهل آن الأوان أن يُعاد النظر في آلية بناء البرامج؟ وهل من الصعب أن يُستشار الميدان قبل أن يُطالَب بالتنفيذ؟ * معلم باحث دكتوراه – أخصائي تقويم مدرسي X - @Gesaleh