على هامش المعنى.

“لا وقتَ للوقتِ ما في الوُسعِ متّسَعُ فهاتِ أوجعَ ما خبّأتَ يا وجعُ” نص تأملي للشاعر أنس الدغيم يختصر إحساس الإنسان بالضغط والاندفاع المستمر للحياة وكأنما كل لحظة تضيع بلا استثمار أو أثر حقيقي. غرضي من كتابة هذا المقال ليس ما ورد آنفًا رغم تأثري، ويقيني بما قاله “متّسَع” هذه الكلمة هي محور المقــال من المؤكد أن هناك ألفاظًا أخرى تثير انتباهنا وحده القاموس يشي بسرّها الدلالي، كما يحرك دهشة اللغة حتى قبل أن تنجلي. فيما يخص القاموس، ثمة مقولة للكوميديان الأمريكي: ستيفن رايت يقول: «قرأت القاموس. رأيت أنه قصيدة عن كل شيء.» ووجدت، كما أدرك غيري ما لهذا الفضاء الدلالي من أثر عذرًا أيها (المتسع) دعني قليلاً في رحاب ذاكرة اللغة لي عودة إليك هذا إن لم يبحر بي القاموس إلى حيث لا مراكب تعود بي مجددًا؟ إذن حين يقول ستيفن رايت: «قرأت القاموس. رأيت أنه قصيدة عن كل شيء.» أزعم أنه يضعنا أمام حقيقة الوجود كلغة. فالكلمات هي اللبنات الأولى التي بُني بها وعي الإنسان، ومنها شُيِّدت أساطيره وصلواته وذاكرته.. القاموس ليس مَأوًى للمعاني فحسب، بل هو كتاب عن الاحتمالات اللامتناهية. هو قصيدة عن كل شيء بالفعل لأن كل شيء يبدأ بالكلمة واللغة بحد ذاتها قصيدة كبرى “وما القواميس سوى ديوانها الأول” كما ورد أتذكر في هذا الموضع قولاً للوالد رحمه الله: كلما نظرت في القاموس؛ تمامًا كمن يشرف على منجم خام للمعنى؛ لا نضيف إليه شيئًا، بقدر ما نعيد ترتيب عناصره لتخلق حياة جديدة. صاحِبي المعجم، بُنيَّتي، ففيه متَّسعٌ لما تريدين؛ تلك وصيّةُ الوالد، والإرث بنفس الوقت. فلنعد إلى موضوعنا كلمة «مُتَّسَع» من الجذر و س ع، وهو جذر عربي أصيل غني بالدلالات الجميلة حول السَّعة والرحابة. فيه من ثراء المعنى، واتساع المجاز الشيء الكثير  ‏”أرِح جبينكَ هذا الحِجرُ متَّسعَك” رائعة الشاعر عبد الله المالكي في مستهل نصه ذاك لا يكتب المالكي عن الحِجر بقدر ما يكتب عن المتّسع الإنساني الذي نسعى إليه. فضلا عن تعدد مرامي هذه الكلمة جميل أن نُوَفّق لكنفٍ يستع ومن ثم يتسع.. ليسع ما ننوء به، وما نعانيه، ونفر منه… “يكون لدينا متسع من الوقت عندما نعرف كيف نستخدمه.” قول يرجع لبسمارك يعارض ما قاله المالــكي ووجه المعارضة تكمن في المنظور النفسي مقابل المنظور العملي وفي غياب المتسع مقابل توليده. “في قلب كل تحدٍ، متسع من الأمل.” عبارة تُعيد تعريف المتّسع لا بوصفه مكانًا خارجيًّا، بل حالةً داخلية من المرونة والرجاء يتسع الحديث، ولا أكتفي فالروح تحتاج أن تفيضَ بما في القلب من ألفاظٍ لها ما لها من حظوة. انْتَوَى: انتقل من مكان إِلى آخر انْتَوَى عن الأَمر: تحوّل عنه انْتَوَى الشيءَ أَو فلاناً: قَصَدَه انْتَوَى الأَمرَ: نَوَاهُ تعريف انتوى بحسب المعاجم مفردة أخرى لها في نفسي رنين خاص ولحظة صمت مشحونة بالمعنى يحدث أن تقع في غرام كلمة لا يقتصر الأمر على ذلك بل تدفعك لتقيم لها نصًا وتلهمك لبناء بيت شـــعري. وهكذا تتكاثر حولنا الكلمات لا تكاد تلتقط واحدة، حتى تزاحمك أخــرى فتغدو الحروف أجنحة، والمعاني سماء والكتابة تنموعلى إثر ذلك، والشغف يتعاظم بلا ريب،  لأنها كتبت بدافع الإخلاص المطلق. على ذكر الكتابة، لا أعتبرها كلمة ما دمنا في سرد للكلمات أو المفردات المحببة إلي وهي عديدة، بل أراها كيانًا لغويًا يحمل معنى مكتملًا بذاته إذن للكتابة هنا وفي أي مكان، مجرد النطق بها أنهمر حبرًا، وأتحول إلى ورق  “يكفي أن يشعر المرء أنه قادر على الحياة بدون كتابة، حتى يكون الأجدر به ألا يكتب تمامًا” اقتباس تأملي لريلكه (راينر ماريا ريلكه) وردت في  «رسائل إلى شاعر شاب»، وهي من أكثر عباراته قسوة وصدقًا تجاه فعل الكتاب ريلكه هنا لا يسأل: هل تحب الكتابة؟ بل يسأل: هل تستطيع أن تنجو بدونهـــا؟ إن استطعت، فدعها. وإن لم تستطع، فأنت كاتب — حتى قبل أن تكتب. *كاتبة سورية