القراءة في عصر الرقمنة.
حيث يتسارع الزمن وتسيطر الشاشات الإلكترونية على تفاصيل حياتنا، أصبحت القراءة عادة نادرة، وصار الكتاب جزء من الديكور في بعض المنازل بعد أن كان رفيقًا دائمًا. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل فقدنا شيئًا جوهريًا خلال رحلتنا إلى الرقمنة؟ أم أن الكتب الرقمية ومنصات القراءة الإلكترونية استطاعت تعويضنا عن متعة التصفح الورقي، وعن الحميمية بين القارئ وكتابه؟ للكتاب الورقي إحساس لا يستبدل، هناك شعور خاص في تقليب الصفحات، وفي رائحة الورق القديم أو الجديد، وفي ترك العلامات على صفحاته وتحديد الجمل بقلمك الشخصي. وقد قال أمبرتو إيكو: «الكتاب هو ذلك الاختراع الذي لا يمكن تحسينه... مثل الملعقة أو المطرقة أو العجلة، فقد وصل إلى الكمال منذ البداية». تشير الدراسات إلى أن القراءة الورقية تساعد على استيعاب المعلومات بشكل أفضل من القراءة الإلكترونية، فهي تخلق ارتباطًا حسيًا بين القارئ والنص. فهل يمكن للشاشات الباردة أن تمنحنا هذه الحميمية؟ وعن هذا قال الكاتب الأمريكي جون جرين: «الكتب الورقية مثل الجبال، يمكن تسلُقها، تشعر بثقلها، وتترك فيها علاماتك». لا ننكر أن الكتب الإلكترونية تمكننا من حمل مئات بل وآلاف العناوين في حقيبة واحدة، وقد سهلت وصولنا إلى المعرفة خاصة في تلك المناطق النائية. لكن هل نجد مع سهولة الوصول شيئًا من العمق؟ يرى البعض أن القراءة من خلال الشاشات هي قراءة سطحية مليئة بالمشتتات، حيث تتسابق الإشعارات وروابط الأنترنت لتقطع على القارئ تركيزه. كقول الكاتب والمحلل التقني نيكولاس كار: «الإنترنت يجعلنا أذكياء سطحيًا، نقرأ أكثر لكننا نفهم أقل». في الأجيال الحديثة حيث ينشغل الأطفال والمراهقين بالألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، تضاءلت مساحة القراءة في حياتهم. وهنا يأتي دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في التشجيع على القراءة الورقية كوسيلة للتركيز وتنمية الخيال بعيدًا عن إضاءة الأجهزة الزرقاء. في دراسة أجرتها جامعة ستانفورد عام 2019، أثبتت أن الطلاب الذين يقرأون نصوصًا ورقية يحتفظون بالمعلومات بنسبة 30% أكثر من أقرانهم الذين يقرأون إلكترونيًا. ربما الحل ليس في رفض التكنولوجيا بل في تحقيق التوازن بين الوسيلتين، بين القديم والجديد. فكما نستمتع بسرعة البحث الإلكتروني، يمكننا كذلك أن نحافظ على طقوس القراءة الورقية في أوقاتنا الهادئة، فبعض العادات مثل قراءة قصة للأطفال قبل النوم أو مطالعة كتاب في حديقة المنزل، تظل طقوسًا إنسانية لا يمكن استبدالها. في النهاية ليست المعركة الحقيقية بين الكتاب الورقي والرقمي، بل بين الاستمرار في القراءة أو التوقف عنها تمامًا. مهم أن نبقى على علاقة بالكتب مهما كان شكلها، فهي نوافذ نطل منها على عوالم لا محدودة. كما قال الأديب الأرجنتيني: «الجنة ليست سوى مكتبة كبيرة، لا يهم إن كانت رقمية أم ورقية، المهم أن نجد فيها أنفسنا». علينا فقط أن نتعلم كيف نستمتع بكل وسيلة دون أن نفقد جوهر المتعة والفائدة التي تقدمها القراءة لنا. وأنت عزيزي القارئ... هل ما زلت تفضل القراءة الورقية أم أنك انضممت إلى عصر الرقمنة؟