نساء ينسجن من الزهور ثوب الحياة.
من أمام الشرفات وحول أشجار المشمش والليمون، تطير الفراشات. ترى منازل مكونة من طابق واحد بُنيت من الطين والحجر الصلب. منازل ذات جدران قصيرة وأبواب واسعة مشرعة. هناك تواجه الأم تحديات الحياة الصلبة بوجه بشوش وإرادة قوية وحس فني جذاب. لم تكن حينها أغنية فيروز (هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب)، قد وصلت لتلك الاسر البسيطة، ولم يتحدث علماء الطاقة عن فناجين الشاي كأيقونة للثراء، ولا فلسفة «الفينج شوي» في تعزيز تناغم الإنسان مع بيئته من خلال تنظيم تدفق الضوء والهواء. لكنها تعرف أنها أم، ومعلمة ووزارة تربية وقناة لغرس القيم والفضائل. تجتهد لتثبت للمجتمع ولنفسها ولزوجها ولأهل الزوج أن أبناءها أفضل الأبناء. تبدأ مهامها منذ الصباح الباكر وحتى المساء. رغم أميتها، وجهلها بعلوم القراءة والكتابة , هل كانت تدرك في ذلك الوقت أنها ترسخ في رسائلها الخفية لأبنائها مفهوم الادراك الحسي، وأن كل كلمة تقولها كانت بمثابة تجارب تربط طفلها بالواقع لتهيئه لتجربة أكبر؟ كانت تربي بالفطرة، وبما وصلها من مفاهيم الدين البسيطة. من رسائلها الجميلة: شرشفها الأبيض الناصع البياض، ومجموعة الإبر الطويلة والخيوط الملونة. تخرج من منزلها مع مجموعة من الأغنام للحقول المجاورة، وفوق رأسها صرة كبيرة لفتها بعناية فائقة. تحت شجرة الزيتون، تطبع الأزهار من حولها قبلات على القماش الكبير، تطرز بكل لون خيطا من النور يضيء يومها القادم. تعود الى الطريق الترابي ومعها اللهفة. إنها رحلة العودة حيث يرافق صمتها صوت الأشجار والعصافير التي تغادر أعشاشها، لحظة من الهيبة والطمأنينة ، حين يمتزج التعب والكد بعطر الأرض . ومع رائحة الخبزعند الفجر , تعطي درسا آخر في احترام الوقت , كطقس مقدس. قبل صياح الديك , حيث السماء غارقة بالزرقة, ترى أرغفة الخبز الرقيقة تصطف بشكل متوازي في (الطبشية) المصنوعة من (الطين الابيض) . «لازال الماء متجمدا يا أمي». وآخر يهتف «وأنا جائع يا أمي». لتعود وعلى رأسها صينية فيها بيض مسلوق وباذنجان مشوي وبصل وطماطم مبهرة بالزيت, والكثير من الجبن المستخرج من لبن الماعز والزيتون المخلل . وعنما يفتح الباب الخشبي ,تستودع أبناءها الله فيخرجون للمدارس القريبة متجهين نحو الضباب الذي يغطي وجه الأرض. لتبدأ برنامجها اليومي من التنظيف: ترش الأرض بالماء وتنفض الأغطية والوسائد وتفتح الشبابيك ليطرد الضوء كل علة , وتكنس الأرض بإيقاع رشيق على موجات القش المتين , تتمتم بأذكار الصباح ثم تشعل جمرة وتضع عليها من لبان المستكة لتعقم المكان من أمراض الشتاء . هي لا تقرأ ولا تكتب ولكنها تطلب من أبنائها ان يقرؤوا دروسهم بصوت عال , تتابع نبرة أصواتهم وحماسهم وتعثرهم. هي لا تمسك القلم ولكنها تمسك مسطرتها لتخيفهم.. هذا هو ميزان الروح، (اسطاليقا) نابعة من القلب. كانت مؤمنة بأن العلم والأخلاق هما النور والجمال والقيمة التي تنقذ أبنائها من شقاء الأرياف. وأن الأدب هو أدب الروح قبل القول , وأن الفطنة تعرف حين تغني الأرض , وتكتسي السماء بالنجوم ,وتتحرك الطيور شرقا وغربا , حين يكون لون الغيم اسودا , ولون الفجر ابيضا , وحين يجلسون مع الضيوف والجيران , ويتعاملون مع المواقف الصعبة بحكمة استمدوها من صبر الأم. *كاتبة وشاعرة