المرهقون..

عندما يصبح الجسد ساحة للحرب.

في قلب مدينة عدن المحاصرة بالفقر يأتي فيلم “المرهقون” 2023 كصرخة من أعماق مجتمع يرفض أن يعترف بوجود أزمة حقيقية في البلد. الفيلم من إخراج وتأليف عمرو جمال، وشارك في التأليف مازن رفعت. الفيلم أول روائي طويل يمني يصل إلى الصالات، هو عمل فني يجمع بين الجرأة الفكرية والصدق الإنساني والاقتصاد التعبيري في آن واحد. حصل على تمويل لمرحلة ما بعد الإنتاج من مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، و مهرجان مالمو العربي للسينما، ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. الفكرة الأساسية في “المرهقون” بسيطة ظاهرياً، لكنها متفجرة في دلالاتها: زوجان فقيران “أحمد وإسراء” يعيشان مع أطفالهما الثلاثة في غرفة واحدة، يفقدان وظيفتيهما، ثم تكتشف إسراء أنها حامل بالرابع. في بلد طبيعي قد تكون هذه بشرى، أما في اليمن 2021 هي كارثة اقتصادية. لكن عمرو جمال لا يكتفي بتصوير الفقر كخلفية درامية، هو يحول المرأة إلى ساحة صراع طبقي وديني واجتماعي. الحمل هنا هو غزو لا يملك الزوجان أي سلاح لمواجهته سوى البحث عن إجهاض سري محرّم دينياً ومجتمعياً ومستحيل طبياً في ظل انهيار المنظومة الصحية. الفيلم إذن يطرح فكرة قاسية وغير مسموح بها عادة في الثقافة العربية؛ حين يصبح إنجاب طفل جريمة بحق الطفل نفسه وبحق الأم، وحق تقرير مصير هذا الجسد. يختار عمرو جمال أسلوباً بصرياً شديد التقشف يخدم الفكرة تماماً. لا موسيقى تقريباً، ولا إضاءة درامية، وكاميرا ثابتة أو شبه ثابتة في أغلب المشاهد، وديكور واحد هو الغرفة الضيقة التي يعيش فيها الجميع. هذا التقشف هو موقف أخلاقي وفني: لا يحق لنا أن نزيّن المعاناة. الفيلم يعتمد على ثلاثة عناصر لصنع توتره: 1. المكان “الغرفة الواحدة” الذي يتحول تدريجياً إلى زنزانة. 2. الزمن الحقيقي الطويل داخل المَشاهد “لقطات طويلة بدون قطع”. 3. أداء الممثلين غير المحترفين الذي يحمل صدقاً وعفوية. خالد حمدان “أحمد” وعبير محمد “إسراء” يقدمان أداءً يبدو وكأنه حياة مُسجّلة. نظرة إسراء وهي تدرك أنها حامل، صمت أحمد وهو في السوق يبحث عن عمل ولا يجد، ضحكة الأطفال الساخرة وهم يلعبون بالحجارة، كلها لحظات لا تحتاج تعليقاً صوتياً أو موسيقى. رغم ثقل الموضوع يمتلك الفيلم حس فكاهة سوداء حاد، عندما يسأل أحمد الطبيب: كم تكلفة الإجهاض؟ فيرد الطبيب: أغلى من تكلفة تربية الطفل. ثم يضحكان معاً ضحكة ميتة، ندرك أننا أمام كوميديا عبثية من الطراز الأول. هذا المزج بين الضحك والألم هو ما يجعل الفيلم لا يتحول إلى خطبة أخلاقية أو فيلم بؤس رخيص. ورغم أن المخرج رجل، إلا أن الفيلم يقدم واحداً من أقوى الخطابات النسوية في السينما العربية الحديثة، لكن بطريقة غير مباشرة وغير شعبية. إسراء امرأة تتخذ قرارات وتبحث عن حلول وتذهب بنفسها إلى العيادات وتواجه الرفض وتعود أقوى. الرجل هنا “أحمد” هو المهزوم فعلياً، هو الذي ينهار، بينما هي من تحاول حتى النهاية. قد يُلام الفيلم على بساطة بعض الحلول الدرامية، مثل مشهد العثور على المال في الدقيقة الأخيرة، لكن هذه البساطة مبررة؛ الحياة نفسها في عدن تقدم مفاجآت صغيرة قاسية أو رحيمة أحياناً. الفيلم يفتح جرحاً ويتركه مفتوحاً. لا نعرف مصير الطفل الرابع، وهذا أقوى ما فيه. لأن الواقع اليمني نفسه لا يقدم إجابات. “المرهقون” هو واحد من أهم الأفلام العربية في العقد الأخير. لأنه يثبت أن السينما يمكن أن تولد في القصف والجوع والحصار، وأن أهم قضية إنسانية اليوم ليست الحروب نفسها، بل ما تفعله الحروب بالجسد والكرامة والمستقبل. في 79 دقيقة ينجح عمرو جمال في أن يقول ما عجزت عنه آلاف التقارير الإخبارية والمنظمات الدولية: أن هناك شعباً بأكمله أصبح “مرهقاً” من مجرد التفكير في البقاء على قيد الحياة. خلال فترة التصوير (2021) تعرض فريق العمل والممثلين لمشاكل مختلفة، بما في ذلك احتجازهم في فندق في عدن لمدة خمسة أيام بسبب المواجهات المسلحة المحيطة بالفندق، هذه التجربة الصعبة لم تثنِ الفريق عن استكمال عملهم، بل شكلت جزءًا من التحديات التي واجهوها خلال صنع الفيلم. تم عرضه في عدة مهرجانات سينمائية دولية، منها مهرجان سيدني السينمائي الدولي، مهرجان شنغهاي السينمائي الدولي، مهرجان شيكاجو السينمائي الدولي، مهرجان بالم سبرينجس السينمائي الدولي، مهرجان سياتل السينمائي الدولي، مهرجان بكين السينمائي الدولي، مهرجان فالنسيا السينمائي الدولي، مهرجان تايبيه السينمائي الدولي، ومهرجان ديربان السينمائي الدولي. وتم اختياره ليكون مرشح اليمن الرسمي لجائزة أفضل فيلم دولي في الدورة التسعين لجوائز الأوسكار. فيلم يستحق أن يُرى، وأن يُدرَّس، وأن يُذكر كواحد من اللحظات التي انتصرت فيها السينما على الموت.