حين دخل الدين قاعة السينما.

لم تكن السينما، منذ ولادتها، بعيدة عن الأسئلة الكبرى. ومع أول شاشة أضاءت في قاعة مظلمة، وجد الدين طريقه إلى الصورة المتحركة، لا بوصفه خطابًا وعظيًا، بل مادة إنسانية غنية بالصراع، والإيمان، والشك، والأمل. الأفلام الدينية ظهرت مبكرًا، لكنها بلغت ذروتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين راهنت هوليوود على القصص المقدسة وقدّمتها في أعمال ضخمة مثل «الوصايا العشر»، الذي أعاد سرد قصة النبي موسى عليه السلام، و*«بن هور»* الذي مزج الدين بالدراما الإنسانية، ليحصد نجاحًا جماهيريًا غير مسبوق. لم يكن الجمهور يذهب فقط لمشاهدة معجزة أو حدث تاريخي، بل ليرى نفسه في صراع الخير والشر. ومع مرور الوقت، لم يعد هذا النوع من الأفلام محصورًا في الإنتاجات الكلاسيكية الهادئة. في عام 2004، فجّر فيلم «آلام المسيح» موجة من الجدل، بسبب لغته القاسية وجرأته في تصوير الساعات الأخيرة من حياة السيد المسيح. انقسم النقاد، واحتشد الجمهور، وأكد الفيلم حقيقة واحدة: الدين في السينما لا يزال قادرًا على إثارة النقاش وجذب المشاهدين. في العالم الإسلامي، كانت التجربة مختلفة وأكثر حذرًا. فيلم «الرسالة» للمخرج مصطفى العقاد شكّل استثناءً لافتًا، حين قدّم قصة الإسلام الأولى دون تجسيد النبي محمد ﷺ، معتمدًا على قوة السرد والموسيقى والصورة. ومع مرور العقود، ظل الفيلم حاضرًا في الذاكرة الجماعية، يُعرض في المناسبات الدينية ويُستعاد بوصفه نموذجًا لاحترام المقدّس دون التخلي عن اللغة السينمائية. لكن الأفلام الدينية لم تقتصر على الأنبياء والقصص الكبرى. ظهرت أعمال أخرى تناولت الدين من زاوية مختلفة، تطرح أسئلة الإيمان والشك، وتبحث عن معنى الألم والخلاص، دون أن تقدّم إجابات جاهزة. هذه الأفلام لم ترفع شعارات دينية، لكنها لامست جوهر التجربة الروحية للإنسان. اليوم، تبدو الأفلام الدينية أقل حضورًا في صالات السينما، لكنها لم تختفِ. تغيّر شكلها، وهدأت لغتها، وأصبحت أكثر اعتمادًا على القصة الإنسانية بدل الوعظ المباشر. وفي زمن تهيمن عليه السرعة والمؤثرات، لا تزال هذه الأفلام تذكّر بأن السينما قادرة، أحيانًا، على أن تطرح سؤالًا بسيطًا: ماذا يؤمن الإنسان حين يواجه ضعفه؟ ربما لا تقدّم الأفلام الدينية إجابات نهائية، لكنها تترك المشاهد مع شعورٍ يصعب تجاهله، بأن بعض القصص، مهما اختلفت الأزمنة، لا تزال تُروى لأن الإنسان ما زال يبحث عن المعنى .