لماذا فشلت محاولات ابتزاز السعودية سياسياً؟.

«قراءة استراتيجية في تجارب الضغط القديمة، و لماذا لم تعد صالحة في عالم يتغيّر مركز ثقله» . لم تفشل محاولات ابتزاز السعودية لأنها توقفت، بل لأنها استُهلكت حتى فقدت فاعليتها و معناها . الابتزاز السياسي في جوهره، لا يعمل إلا على الدول التي تعيش قلق الشرعية، أو هشاشة القرار، أو خوف الانكشاف .. و هذه ثلاث دوائر خرجت منها السعودية منذ زمن، بهدوء كامل، و من دون حاجة إلى إعلان صاخب أو خطاب استعراضي. في مراحل سابقة من النظام الدولي، كانت أدوات الضغط شبه محفوظة: ملف حقوقي يُفتح في توقيت محسوب، خطاب إعلامي يُضخّم بلغة أخلاقية، ضغط دبلوماسي يُدار عبر قنوات محددة، ثم تُعرض «التسويات» تحت عنوان الاحتواء أو الشراكة المشروطة. هذه الصيغة نجحت مع دول كثيرة، لا لقوتها، بل لضعف الطرف المقابل، و لحاجته الدائمة إلى القبول الخارجي بوصفه بديلاً عن التماسك الداخلي. السعودية، على العكس، تعاملت مع كل موجة ضغط بوصفها اختباراً لبنية الدولة لا أزمة علاقات عامة . لم تنشغل بإطفاء العناوين، بل أعادت ترتيب الداخل، و ضبط الإيقاع المؤسسي، و بناء القدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن الانفعال. و مع كل اختبار، كانت النتيجة واحدة: الأدوات القديمة تفقد أثرها. أول أسباب الفشل أن السعودية أعادت تعريف مصدر قوتها السياسية. لم تعد الشرعية تُقاس بمدى الرضا الخارجي، بل بقدرة الدولة على العمل، و بثقة المجتمع في مؤسساته، و باقتصاد يتحرك وفق رؤية واضحة، و بأمن يُدار بعقل الدولة لا بردّ الفعل. الدول التي تُبتز هي الدول التي تحتاج شهادة حسن سيرة و سلوك من الخارج .. و السعودية لم تعد في هذا الموقع. السبب الثاني أن أدوات الضغط نفسها لم تعد مناسبة للعالم الجديد. التقارير، و المنظمات، و حملات التشويه، و بيانات القلق، كلها وُلدت في عالم أحادي القطبية، حيث مركز القرار واحد، و مسارات التأثير محدودة، و الاقتصاد تابع للسياسة. اليوم، تغيّر المشهد: تعدد مراكز القوة، تشابك المصالح، تراجع قدرة الخطاب الأخلاقي وحده على فرض الوقائع، و صعود منطق المصالح المتبادلة. ثم هناك التحوّل الأهم: انتقال السعودية من دولة ردّ فعل إلى دولة فعل. الدول التي تُبتز تنتظر الضغوط ثم تفاوض على تقليل الخسائر. أما السعودية .. فتصوغ سياساتها قبل أن تُفرض عليها الأسئلة، و تبني خياراتها على المدى المتوسط و الطويل، و تغلق المسارات الهشة قبل أن تتحول إلى أوراق ضغط. حتى في إدارة الأزمات، تغيّر الأسلوب .. لم تعد المملكة تسارع إلى الرد على كل تقرير، و لا تنجر إلى الاشتباك الإعلامي، و لا تشرح قراراتها بلغة دفاعية. الصمت المدروس هنا ليس تردداً، بل تعبير عن ثقة: القرار يُتخذ، ثم يُترك الزمن ليكشف منطقه و نتائجه. و من الأخطاء المتكررة لدى من حاولوا الضغط، افتراض أن السعودية دولة معزولة يمكن تطويقها بسهولة. الواقع أن شبكة العلاقات السعودية اليوم أوسع و أكثر تنوعاً، قائمة على مصالح متبادلة لا على محاور ضيقة. و حين تتعدد البدائل، يصبح الضغط مكلفاً على من يمارسه، قبل أن يكون مؤثراً على من يُمارس عليه. كما أن الابتزاز يفشل حين يواجه دولة تعرف ماذا تريد .. و السعودية لم تعد تُدار بمنطق إدارة الأزمات فقط، بل بمنطق بناء الدولة الحديثة، حيث الاقتصاد، و التعليم، و الطاقة، و التقنية، و السياسة الخارجية، كلها أجزاء من صورة واحدة. و حين تكون الرؤية واضحة، تفقد أوراق الضغط قدرتها على الإرباك. الأهم من كل ذلك أن المجتمع السعودي نفسه تغيّر .. فلم يعد جمهوراً قلقاً يتأثر سريعاً بالسرديات الخارجية، بل مجتمعاً أكثر وعياً، و أشد ارتباطاً بمسار دولته، و أكثر قدرة على التمييز بين النقد الحقيقي و محاولات الابتزاز المقنّع .. و حين يفشل الرهان على الداخل، يسقط الابتزاز تلقائياً. لهذا فشلت محاولات ابتزاز السعودية سياسياً .. ليس لأن العالم أصبح أكثر عدلاً، بل لأن السعودية أصبحت أكثر إدراكاً لموقعها، و أكثر ثقة بأدواتها، و أكثر قدرة على إدارة علاقتها بالعالم من موقع الندية لا الاسترضاء. في عالم يتغيّر مركز ثقله، لم تعد السعودية تنتظر أن يُعرّفها الآخرون، و لا أن يضعوا لها شروط الحضور .. هي تعرف نفسها جيداً، و تعرف ماذا تريد، و هذا وحده كافٍ لإسقاط كل محاولات الضغط قبل أن تبدأ.