المعلم بين التصوير والتطوير ..

حتى لا يتحول التوثيق إلى عبء على العملية التعليمية .

في ظل التحول الرقمي الذي يشهده التعليم، وتنامي الاهتمام بإبراز المبادرات والبرامج التعليمية، برزت ظاهرة لافتة داخل المدارس، تتمثل في التوسع في متطلبات التصوير والتوثيق، حتى أصبح المعلم في بعض البيئات التعليمية مطالبًا بأداء أدوار تتجاوز نطاق مهمته الأساسية، ورغم أهمية التوثيق بوصفه أداة تنظيمية وإعلامية، إلا أن الإشكالية الحقيقية تظهر عندما يتحول هذا التوثيق إلى عبء يزاحم جوهر العملية التعليمية. فالمعلم هو الركيزة الأساسية في أي نظام تعليمي، وتتمثل مسؤوليته الأولى في التخطيط للتدريس، وتنفيذ الحصص، وبناء المعرفة، وتقويم تعلم الطلاب، ورعايتهم تربويًا وسلوكيًا، وهذه المهام تتطلب تركيزًا عاليًا، وتهيؤا ذهنيًا، واستقرارًا مهنيًا، وكلما أُثقل المعلم بأعمال جانبية لا تدخل ضمن اختصاصه، تراجع مستوى الأداء، وتشتت الجهد، وانعكس ذلك سلبًا على جودة التعليم ومخرجاته. ولا يختلف اثنان على أهمية توثيق الأنشطة الصفية، والمبادرات المدرسية، والبرامج النوعية، لما لها من دور في نقل الصورة الواقعية للميدان التعليمي، وتعزيز التواصل المؤسسي، وتحقيق متطلبات التقويم والجودة. غير أن الإشكال يكمن في تحميل المعلم مسؤولية هذا التوثيق كاملة، وكأنه مطالب بأن يكون معلمًا ومصورًا ومنسق محتوى في آن واحد، وهو ما يمثل خللًا واضحًا في توزيع الأدوار داخل المؤسسة التعليمية. إن إشغال المعلم بالتصوير، أو مطالبته بتوثيق كل نشاط أو درس بصورة إعلامية متكاملة، قد يؤدي إلى أحد مسارين غير محمودين: إما أداء شكلي للتوثيق على حساب عمق التعليم، أو إجهاد مهني متراكم يولد شعورًا بالضغط وعدم التقدير، وكلا الأمرين لا يخدم أهداف التطوير، بل يفرغها من مضمونها الحقيقي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم مفهوم التوثيق المدرسي، والنظر إليه بوصفه مسؤولية مؤسسية تُسند إلى جهات مختصة، مثل المركز الإعلامي في المدرسة، أو منسق إعلامي مؤهل، أو فرق إعلامية تتبع لإدارات التعليم،  هذه الجهات قادرة على أداء مهمة التوثيق وفق معايير مهنية واضحة، تحفظ خصوصية البيئة التعليمية، وتبرز الجهود بصورة منظمة، دون التأثير على سير الحصص أو إرباك دور المعلم. وفي هذا الإطار، يمكن للمعلم أن يسهم في عملية التوثيق من زاوية تربوية، عبر توصيف النشاط، وبيان أهدافه، وتوضيح مخرجاته التعليمية، دون أن يُطالب بأعمال التصوير أو التحرير أو النشر، وبهذا التكامل، تتحقق جودة التوثيق، ويُصان وقت المعلم، ويظل تركيزه منصبًا على رسالته الأساسية. إن أزمة التصوير في التعليم ليست أزمة وسائل، بقدر ما هي أزمة أدوار وتنظيم، وفرصة التطوير الحقيقية تكمن في احترام التخصص، وتقدير وقت المعلم بوصفه موردًا تربويًا لا يُعوّض، يجب أن يُستثمر في التعليم ذاته لا فيما يحيط به. ختامًا، فإن أي مشروع لتطوير التعليم لن يؤتي ثماره ما لم ينطلق من تمكين المعلم، وتخفيف الأعباء غير التعليمية عنه، وبناء منظومة متكاملة تتوزع فيها المسؤوليات بعدل واحتراف، فالمعلم ليس أداة إعلامية، بل صانع وعي وباني أجيال، وكل تطوير يتجاهل هذه الحقيقة سيظل تطويرًا شكليًا مهما بدا متقن الإخراج. *( باحث دكتوراه، أخصائي تقويم مدرسي)