المثقف العربي.. والنضج العكسي.

في أحد المقاطع المصوّرة، تحدّث مختص في علم النفس عن القلق، وكان حديثه عامًا، لا يتجاوز نطاق التوعية النفسية. وحيث أنني استحسنت أسلوبه التوعوي، فقد أرسلته إلى عددِ من الأصدقاء، غير أن التعليقات التي جاءت على إثره لم تكن متشابهة. فقد أماطت اللثام عن متلازمة القلق بشكل واسع، ومتشعّب. قلق من المرض، وقلق من المستقبل، وقلق من ظروف الزمن الراهن. بل قلق من القلق ذاته. لن أتحدث عن القلق كعارض نفسي، بحكم أنني لست من أهل الاختصاص، لكنني لاحظت أن القلق قد ضرب أطنابه في فناء المثقفين. حيث لم يعد ردّ فعل على معلومة، بل حالة ذهنية جاهزة تبحث عمّا تتعلّق به. عند هذه النقطة، لم نكن أمام قلقٍ طبيعي، بل أمام غناءً بلا قصيدة. عبارة عن فائض انفعال لا يقود إلى وعي، بل إلى مزيد من الارتياب والتصلّب. فلم يعد القلق مجرّد حالة نفسية عابرة، بل صار بنية خفيّة تُعيد تشتيت وعينا وخطابنا الثقافي. ففي مواقف حادّة توهم أصحابها بأنهم بلغوا النضج، بينما هم في الحقيقة عالقون في حالة أسميتها “النضج العكسي” حيث لا يُفضي القلق إلى عمقٍ أكبر، بل إلى رِدةٍ ثقافية، ولا يولّد وعيًا أعلى، بل يخلق رموزًا جلست على كراسي شاغرة، تُلقي خطاباتٍ تُجَعجِع أكثر مما تُضيء. لذلك حَرِيٌ بنا أن نتساءل: كيف يتحوّل القلق، من طاقة وعي إلى وهم نضج؟ الفلاسفة لا يقبعون في يقينيات قاطعة، بل يُحَلِّقون في فضاء أسئلة مفتوحة. وحين يتوقف الإنسان عن التسليم، يظهر القلق بوصفه كلفة الوعي. الفيلسوف الدنماركي “سورين كيركغارد 1813 -1855م” هو أول من جعل القلق مفهومًا فلسفيًا مركزيًا، وأطلق عليه «دٌوار الحرية» فالإنسان يقلق لأنه حُر، ولأنه قادرٌ على الاختيار والخطأ. لذلك رأى الفيلسوف الألماني “مارتن هايدغر1889 – 1976م” في القلق كشفًا لحقيقة الوجود، لا خللًا فيه، بينما اعتبر الناقد الثقافي الألماني “فريدريك نيتشه 1844 – 1900م” القلقَ شرط لتجاوز الإنسان لنفسه. أما الفيلسوف الفرنسي الوجودي “جان بول سارتر1905 – 1980م” فربط القلق بالمسؤولية الكاملة عن الاختيار. أما أنا فإنني أرى الرغبة والقلق وجهان لعملة واحدة، والجامع بينهما الإرادة والخشية، الرغبة تقول: أريد أن أكون، والقلق خشية أمام الإمكان. والقاسم المشترك بين الفلاسفة ليس معاناتهم من القلق، بل قدرتهم على تحويله من إجابة إلى سؤال، ومن ألم إلى معنى. فلم يسعوا إلى التخلص منه، بل إلى فهمه. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين قلقٍ منتج وقلقٍ مُعيق. لم يكن القلق الثقافي في يومٍ ما يُعاب على أحد، ولا خللًا ينبغي التخلص منه، بل كان في كثير من الأحيان علامة وعي. ولكن عندما يبلغ قلق المثقف مرحلة النضج العكسي، يكون كمن يحاول اصطياد «ذبابة العين»؛ تلك النقطة العائمة في السائل الهلامي داخل العين، وكلما لاحقها الصياد غيرت مكانها، فيظنها ذبابًا حقيقيًا فيطارده ليصطاده، بينما هو في عينه لا خارجها. هكذا يفعل القَلَقُ عند المثقف حين يُساء فهمه – أي القَلَق - نطارده في الخارج، ونتوهم أنه في الآخر، بينما موطنه الحقيقي في داخلنا، في عجزنا عن احتمال السؤال. إن أخطر أشكال القلق ليست ذاك الذي يؤلمنا، بل تلك الطمأنينة التي تقنعنا بأننا تجاوزناه، ولامسنا مرحلة “النيرفانا”. فالطمأنينة قد تكون راحة، لكنها ليست دائمًا علامة صحة، كما أن القلق، حين يُدار بوعي، قد يكون بداية نضج حقيقي، لا نهاية له. في الخطاب الثقافي المعاصر، تتجلّى عند بعض المثقفين، حالة النضج العكسي بوضوح لافت، حيث نواجه مفاهيم كبيرة تُستخدم بلا عمق، ولغة حداثية تُستعمل لتبرير إقصاء الآخر، وحالة نفسية تعبر عن المظلومية، وسرعة خاطفة في إطلاق الأحكام، وقصور شديد في بناء الأفكار. يبدو خطابُنا الراهن متقدّمًا في عالمية اللغة، ولمعان المفردات، واستيراد المرجعيات، لكنه في جوهره خطاب قلق، يهاب المساحات الرمادية. ويهرب إلى الحداثة. يتبنّى مفرداتها، ويستعير يقينياتها بدل أن يخوض غمار قلقها التأسيسي. وهكذا يتحوّل القلق من محرّك للتفكير إلى أداةٍ للتصلّب، ومن سؤال مفتوح إلى موقف مغلق. هذه هي لحظة النضج العكسي: تقدّم في الشكل، وانكماش في القدرة على الاحتمال الفكري. حيث ظهر جيل جديد، لا يقلق لأنه يفكر، بل يقلق دفاعًا عن صورته الملائكية التي رسمها في مخيلته. وحين يستبد به القلق فإنه يبلغ مرحلة النضج العكسي، ليتحوّل إلى خطاب إقصائي، نَزِق وضعيف الاحتمال. هنا يصبح المثقف مُقْلِقًا لا قَلِقًا؛ يُشِيع التوتر بدل الفهم، ويضخّ اليقين بدل السؤال. المفارقة أن هذا النمط يتبختر بلباس النضج، ويتحدث بلغة الفلسفة، لكنه في العمق خائف من التعدد. فتجده لم يتجاوز نفسه. بل يتراجع من التقدمية الثقافية التي حمل لواءها حينًا، إلى السلفية الفكرية التي عَيَّرّ بها غيره يومًا ما. وهناك من يزعم أنه مرّ في لحظة ما بتجربة الإلحاد، غير أن ما حدث له لم يكن إلحادًا بالمعنى الفلسفي الدقيق، بل حالة من الدوار الثقافي العابر. فالإلحاد، بوصفه موقفًا فلسفيًا لا مجرد نفيٍ ديني، ممارسة فكرية معقدة، تتطلب شروطًا معرفية ونفسية لا تتيحها البنية الثقافية العربية السائدة. ويذهب عبد الله القصيمي في كتابه “العالم ليس عقلًا” إلى أن العربي حين يُعلن إلحادَه لا ينتقل من الإيمان إلى الشك، بل من يقينٍ مغلق إلى ارتباكٍ انفعالي، حيث يستبدل الإيمان الأعمى بعداءٍ أعمى، دون المرور بمرحلة النقد العقلي الهادئ. فقد نجد ملحِدًا دينيًا، وفي الوقت نفسه من أشد المتعصبين عِرْقيًا أو مناطقيًا أو كليهما، وهنا تكمن المفارقة التي تكشف أن ما أصابه ليس تحولًا فكريًا بنيويًا، بل حالة انفلونزا فكرية، لا تتجاوز عطاسًا ثقافيًا عابرًا. نحن لا نعاني من فائض القلق بقدر ما نعاني من فوضى إدارته، فبدلًا من أن يكون ناقوسًا يحذر من الأفكار الخاطئة، ويفتح آفاق التأمل العميق، نلجأ إلى إسكاتِه بيقينياتٍ قاطعة، فنحوِّله من مسرحٍ واسعٍ للفكر إلى مُعْتَقَلٍ اختياري، نمضي فيه بقية أعمارنا أسرى ظُلمةٍ مريحة، في “كهف أفلاطون” الذي لم نُجبر على دخوله قسرًا، بل اخترناه خوفًا من ضوء الأسئلة الكاشفة.