اغتراب الهُوِية العربية.

الاغتراب لغويًا مأخوذ من الغُربة، وفي التعبير المجازي هو ابتعاد الإنسان عن بلده الأصلي. وقد يعني اغترابًا نفسيًا أو ثقافيًا أو اجتماعيًا حينما يكون المرء في بيئة تتبنى قناعات تختلف جذريًا عن قناعاته الشخصية. فيمارس قطيعة مع القناعات السائدة، وبالتالي يصبح غريبًا وهو بين أهله وعشيرته. حيث استخدم الفيلسوف الألماني “ هيجل 1770- 1831م” مصطلح «الاغتراب Alienation “ استخداماً منهجياً ومفصلاً. وقبل أن يُصاغ “الاغتراب” في العصر الحديث كنظرية لها أصولها وحدودها ومفاهيمها المميزة. كان له حضورٌ واضحٌ في التراث العربي - شعرًا ونثرًا وتصوفًا، كقول “أبي الطيب المتنبئ”: ما مقامي بأرض نخلةَ إلا كمقام المسيح بين اليهودِ أنا في أمّةٍ تداركها الله غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ وقد قَسَّمَ الفلاسفة الاغتراب إلى عدة أقسام منها: اغتراب مكاني، واغتراب ديني، واغتراب نفسي، واغتراب اجتماعي، واغتراب اقتصادي، واغتراب ثقافي وحضاري وهو ما يعنينا في هذا المقال. فبعد نشر مقالي “ صرخة الهُوِيَةِ.. في زمن العولمة” في “مجلة اليمامة” بتاريخ 18/12/2025م. تلقيت سيلًا من التعليقات منها معترض، ومنها مستفسر، ومنها مؤيد. وأمام هذا الاهتمام الواسع، أدركت أنَّ لدى البعض قصورًا واضحًا في مسألة “الاغتراب” بمفهومه الفلسفي. والحضاري. بل وجدت أن قلةً قليلة تفهم “الاغتراب” كنقيض لـ “الاستشراق”. يرى الفيلسوف الألماني “هيغل 1770 -1831م” (أن الأفراد يسعون للحصول على الاعتراف من الآخرين من أجل تحقيق الشعور بقيمة الذات والهُوِيَة. وعندما لا يتمكن الأفراد من العثور على الاعتراف أو تأكيد قيمتهم الذاتية. قد يشعرون بالاغتراب عن النسيج الاجتماعي المحيط بهم). فحين ينتشر استخدام لغة أو ثقافات أجنبية في مجتمع ماء على نطاق واسع، فإن ذلك يعني – بكل تأكيد - تحليق هُوِيةٍ خارجية في فضاء الهُوِية الأصلية لهذا المجتمع، وستكون الغلبة في النهاية للهُوِيَةِ الأكثر حضارية. وما نشهده اليوم ليس استثناءً تاريخيًا، بل هو تجسيد متجدّد لـ قانون الغَلَبة – حتى لو لم يكن هذا القانون مُحِقًا في جميع الأحوال، فحينما تمتلك هُوِيةٌ - ما - أدوات الغلبة والتأثير، فإنها لا تفرض نتائج تلك الأدوات فحسب، بل تفرض كامل سرديتها الثقافية، وفي النهاية قيمها الاجتماعية أيضًا، كما تشهده كثير من البلاد العربية، والأفريقية، وفي دول أمريكا اللاتينية. وقد ذكرت في مقالي المشار إليه آنفًا (أن تدهور مكانة اللغة الأم في المجتمع – أي مجتمع - ليس مجرد عارضٍ ثقافي، بل مؤشرٌ على أزمة انتماء، وضعف جوهري في منظومة الولاء) كما أكدت (أن لغة الشعب – أيما شعب – هي الحاضنة الأساسية لهويته الوطنية، فإن تصدعت هذه الحاضنة اندلقت هُوِية هذا الشعب، وعندما تندلق الهُوِية، ترتخي العقيدة الوطنية، وحين ترتخي العقيدة تَفْتُر مشاعر الانتماء، فيهون الولاء، وعندما يَهُن الولاء للوطن يصبح هذا الوطن فضاءً مكشوفًا ويمسي حمىً مستباحًا لكل حاف ومنتعل). وعلى ضوء كل ما سبق سأتبنى دور “النذير العُرْيان” وأدعو إلى الوعي باغتراب هٌوِيَتِنَا العربية الأصيلة، بما تحمله من قيمٍ عالية، واستشعار التداعيات السلبية، والآثار الناجمة عن ذلك، والتي حتمًا ستنتهي باهترائها، وتمزقها، ومن ثم ولادة هُوِيات ممسوخة، صفيقة الوجه لا تحمل قيمة ولا تُضمِر معنى. وقد تداعت الأمم على “الأمة العربية” كما تتداعى الأكلة على قصعتها – مصداقًا لنبوءة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - فهل ننتبه ونحقق أهدافًا في مرمى الحضارة، ونصون هُويِتنا قبل نهاية المبارأة؟ وقبل أن نُمنى بهزيمة ثقافية صاعقة؟ لاسيما أننا في العُشْرِ الأخير من السباق. أنا هنا لا أدعو إلى الانعزال عن العالم، ولا أنادي بمقاطعة المعطيات الثقافية الجميلة التي أنتجتها الحضارة المعاصرة، حشى وكَلَّا، بل أطالب بالتطوير المستمر لهُوِيتنا العربية، وتصدير جمالياتها وقيمها العالية إلى الآخر، وأن نستثمر وجود الجاليات الوافدة، التي تشكل في بعض الأقطار العربية أكثر من المواطنين العرب أنفسهم، وذلك في سبيل نشر قِيَم وفضائل هويتنا العربية على نطاقٍ عالميٍ أوسع. وحين تتوالى التحولات الكبرى، تُطرح الأسئلة قبل أن تُقدم الإجابات. فهل من مُدَّكِر؟