تشير التقديرات الأممية إلى أن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء عالميًا تعرّضت للعنف الجسدي أو الجنسي مرة واحدة على الأقل في حياتها، هذه النسبة الصارخة ليست مجرد رقم، إنها نداء أخلاقي يعصف بضمير البشرية. غير أن أكثر ما يبعث على القلق اليوم، ويستلزم قراءة متعمقة، هو انتقال العنف إلى الفضاء الرقمي بشكل وحشي ومتسارع، وانتقاله من شكل مباشر إلى آخر مراوغ ومتخفي، لكنه لا يقل إيذاءً، بل ربما يفوقه أثرًا، إذ يتضاعف الضرر حين يجتمع العنف مع سرعة الانتشار، وفوضى التواصل. وهكذا أصبح العنف الرقمي — كما تشير الأمم المتحدة — تهديدًا خطيرًا يطال النساء الأكثر حضورًا في الفضاء العام، وسائر من يملكن صوتًا حرًا أو رأيًا مستقلا. إن تاريخ المرأة طويلٌ ومعقَّد، وأن حضورها في مسيرة الإنسانية مرَّ بأطوار من السطوع والكسوف. ففي فترات ممتدة من التاريخ البشري، كانت المرأة محور المجتمع، إلى أن جاءت العصور التي هيمن فيها الانقلاب الذكوري، فتراجعت مكانتها وتقلصت حقوقها حتى كادت تُمحى من المشهد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ومع أن الأديان السماوية — وفي مقدمتها الإسلام — جاءت لتحرر المرأة من إسار التقاليد غير العادلة، فإن التأويلات المتشددة والتفسيرات الضيقة جعلت بعض المجتمعات تعود القهقرى، وتعيد إنتاج أنماط اضطهاد لا تمت لروح الشريعة بصلة، حتى بدت وكأنها سياج يحاصر آدمية المرأة من كافة الجوانب، ويطمس هُويتها من سجل الإنسانية. إن العنف ضد المرأة — مهما تنوعت أشكاله — ليس مجرد اعتداء على جسد امرأة أو شخصيتها أو كيانها المعنوي، بل هو خلل بنيوي في وعي المجتمعات، وثقافاتها الموروثة. حيث يبدأ العنف داخل الأسرة التي من المفترض أن تكون أدفأ حضنًا وأكثر أمانًا. فالأسرة هي بانية هوية البنت وحامية مستقبلها. غير أنها قد تتحول أحيانًا إلى بيئة منتجة للعنف، حين تترسخ فيها مفاهيم تمييزية ضد المرأة. ويظهر العنف الأسري بأشكال متعددة، منها العنف الجسدي، والعنف اللفظي، والعنف الاقتصادي عبر حرمان المرأة من مواردها، وحين ينشأ الأبناء في بيئة كهذه، يتعلمون أن العنف سلوك طبيعي، وأن الهيمنة قيمة اجتماعية، وأن المرأة في مرتبة أدنى من الرجل. ومن المحير، بل من المحزن، أن بعض الأمهات يمارسن العنف ضد بناتهن، ولا يخفين تفضيل الأبناء عليهن، والنتيجة إعادة إنتاجٍ للعنف عبر الأجيال. لم يعد العنف ضد المرأة بين الجدران، بل تسلل بكل جهالة إلى العالم الرقمي. ومن بين أشكال العنف الرقمي التي تتعرض لها النساء تسريب الصور الخاصة والابتزاز، والتنمر، والتحرش، وخطابات الكراهية، والاستدراج والاستغلال، وملاحقة النساء عبر الإنترنت، والتزييف الخبيث باستخدام الذكاء الاصطناعي. كل هذه الممارسات وغيرها ليست مجرد إساءات افتراضية، بل كما تذكر “الأمم المتحدة” غالبًا ما تتحول إلى عنف واقعي، وإلى إيذاء طويل الأمد يمتد إلى السمعة الشخصية، والحياة المهنية، والاستقرار النفسي للنساء. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن خطورة الإقصاء الرقمي، يكمن في حرمان النساء من التعليم والتقنية، ويتركهن أكثر عرضة للتهميش والتحقير، والإيذاء. العنف ليس قدرًا محتومًا. فهناك كواكب نسائية ساطعة، رغم كل الظروف سطرت في سجلات المجد فصولًا مضيئة، وفي مقدمة تلك النماذج “الدكتورة عائشة عبد الرحمن – بنت الشاطئ” التي واجهت التقاليد الاجتماعية البالية، وبدأت مسيرتها الأدبية تحت اسم مستعار، وواجهت عمالقة الأدب — كالعقاد — بقلم جريء وعقل نافذ، والتي نالت “جائزة الملك فيصل العالمية”. كما أن هناك شخصيات نسائية عالمية شجاعة مثل “روزا باركس” و”ملالا يوسفزي” و”هدى شعراوي” أثبتن أن صوت المرأة لا يخبو مهما حاول بعض الحمقى إسكاتَه، وإن المرأة التي تُحارِب العنف ليست ضحية فحسب، بل صانعة إنسانية أفضل. في اليوم الخامس والعشرين من شهر نوفمبر من كل عام، يقف العالم وقفة أخلاقية مفصلية أمام واحدة من أكثر صور الظلم انتشارًا واستمرارًا عبر التاريخ، إنه العنف ضد النساء والفتيات. ورغم التقدم القانوني والحقوقي الذي شهدته الإنسانية خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، لا يزال هذا العنف — بأشكاله المختلفة — حاضرًا في البيوت والشوارع، وفي المدارس ومواقع العمل، وحتى في الفضاءات الرقمية التي كان يُفترض أن تكون أكثر رحابة وعدلًا. وحيث أن العنف ضد المرأة ليس مجرد اعتداء فردي، بل هو خلل بنيوي في وعي المجتمعات وثقافتها، فقد خصصت “هيئة الأمم المتحدة” حملة هذا العام -2025م - تحت شعار “اتحدوا لإنهاء العنف ضد النساء والفتيات في الفضاء الرقمي” وحين يرفع العالم شعاره في 25 نوفمبر” اتحدوا لإنهاء العنف ضد النساء والفتيات” فإنه في الحقيقة يدعونا جميعًا — أفرادًا ومؤسسات — إلى أن نصنع عالمًا تُزهِرُ فيه المرأة لا أن تذبل، وتُبنى فيه المجتمعات لا أن تتصدع. فحين تتوقف يد العنف، ويصمت لسان البغي ضد المرأة يبدأ التاريخ من جديد، فالعنف ضد المرأة ليس حدثًا عابرًا، بل وجع إنساني مزمن. فما لم نحمِ المرأة، فلن نحمي المجتمع، وما لم نعطها حقها، فلن نتقدم، وما لم نهزم ثقافة الهيمنة، فلن ينهض الوعي الجمعي. حقًا إن المرأة مخلوق رائع، أحبتها السماء وكرمتها الأرض، حيث كانت عبر التاريخ حجر الزاوية في استقرار المجتمعات وارتقاء الحضارات. كما أنها اليوم — أكثر من أي وقت مضى — تستحق منا حماية تليق بإنسانيتها، ولا تقل عن عطائها المبهر.