أن تكتب عن ياسر التويجري أشبه بأن تمشي بحقل «ألغام» و حقل «أنغام» بذات اللحظة ، وليس ثمة تناقضاً لأنه – ياسر- هو الرحب والمتشظّي، الغامض كــ«دهناء» ، والرحب الفسيح كـــ«حَمَاد» ، والشاهق «المتغطرس» كقّمةٍ وضعت السحابة «مركى لها!» وتسامت ، عادةً يساورني قلق عندما أكتب عن شيء أجهل تفاصيله أو قل: أسراره ، لكن هُنا قلق مختلف لأنني أكتب عن ياسر الذي أعرف عنه كل شيء أو أظن – ظناً يقترب من حدود اليقين – إنني كذلك ، لو لاحظتم أنني أتكلم عن « ياسر» وليس عن «قصيدته» ، وهنا مربط الفرس بل أسطبل الخيول بأكملها!، ياسر أقرب لــ»حالة» وليس مجرد «تجربة شعرية مثرية ومثيرة للجدل» ، فهو يمثلنا – كجيل- في كل شيء ، هو يكتبنا كما نحن لا كما نحب أن نكون ، وعادة المبدع يظهر للناس بالصورة التي يحب أن يراه الناس عليها ، لكن ياسر غالباً ما يظهرنا – بشجاعةٍ لافتة – بصورتنا الحقيقية، فرحنا وشيطتنا، بخيباتنا وانكساراتنا، بغصّة الخذلان ، وابتسامة –تلامس حدود الهيجنة – بوفاء الأحبة! ، ياسر ليس هو «أفصحنا»، بل «وأفضحنا» أيضاً، وليعذرني على هذا التعبير، لكنه حقيقي، فياسر يستطيع بوشاية صغيرة على هيئة «شطر» أن يخرجنا للناس عبر قصيدته بـ»عُري» لا يتجاوز حدود الأدب ، ناهيك عن خدش المروءة التي تأبى فروسيته أن يقترب من حدود «حُماها»! أعتقد اعتقاداً يقترب من جذوة اليقين أن ياسر يشعر بأنه المتحدث باسمنا ، رغم أن هذا ليس خياره ، مثلما إنه لم يختر أن يكتبنا (كحالة اجتماعية وأدبية) ، خذوا هذا المثال : مررنا – كجيل- بتحولات وصراعات كبرى ، كنا نتوجس من أن نطلق أفكارنا وشيطتنا ، في الغالب كان الخوف مجتمعياً، وقتها نلتفت فنجد ياسر قد قال ما نتوجس من قوله ، وكأن ابتسامته توصل لنا الرسالة : «ازهلوا..الشعر فرض كفاية إن قام به شخص سقط الواجب عن الباقين»! ، يأتيه ساعياً من يسعى من «أسفل» وليس «أقصى» مدارات الفكر، ليسأل – متباهياً بالصوت الشعبوي الذي يرى مصطلح «تحجير» شجاعة وتميزاً- ليسأل: كيف تناقض ما قلته قبل بضعة سنين؟ ، كان يكفي ياسر أن يبتسم ويمضي ، لكنه يجيب ببساطة : لأن أفكاري تغيرت ..أعتقد إن السائل شعر بضآلته رغم أن الرد كان نبيلاً متعالياً! طبعته – نُبلاً – أدبيات «الصقارة» ، فأخذ من «الطير / الحُر» أنفته وحبه للقمم ، لكنه ظل يرفض إغراء «الملواح» ، لأن «الطريدة / القصيدة» لا «تخمر» في الحُمى أو حول الدروب المأهولة ، فقدر الشاعر إن يحلّق أكثر كلما لاحقه «هجس» الطريدة ، يحلّق أكثر متناسياً «عزاوي» الصقّار ، ويخذل «هقوة الدربيل» ، ويبقى متماهياً بين الطريدة وظلها ، بتلك المساحة التي تسمح للمجاز أن يُبنى في الأعالي ! لم يكن ياسر موغلاً أو مستسلماً لثورة التجديد ، لكنه يدهشنا فيما هو أبسط وأعمق في ذات الوقت ، فهو ببساطة يستطيع أن يبني ما انهدم في داخلنا ، لا يفعل شيئاً ..فقط يوقظنا ويمضي يهيجن كبدوي عرف سر الصحراء ، وكأن هذا درس « الصقر» الأول : حتى الأرض لتكتشفها ينبغي أن تحلّق أكثر.. من علوّ ستراها بوضوح وعمق ، ولهذا تجد ياسر لا يجيد «الحياد» ، وليس ضمن خياراته المحتملة ، فهو أما أن يحلّق أو يحلّق!