أصداء إيجابية واسعة لزيارة ولي العهد إلى واشنطن..

ترسيخ مكانة المملكة كقوّة صاعدة على المستويين الإقليمي والعالمي.

زياد الدغاري شكّلت زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، منعطفًا لافتًا في مسار العلاقات السعودية-الأمريكية؛ حيث تأتي في لحظة دولية وإقليمية شديدة الحساسية، ما منحها وزنا سياسيا واقتصاديا خاصا، ورسّخ الانطباع بأن الشراكة بين الرياض وواشنطن تمتع بمتانة تاريخية موضوعية وتدخل اليوم طورا جديدا أكثر عمقا وتوازنا. حفاوة البيت الأبيض ورسائل الشراكة منذ لحظة الاستقبال في البيت الأبيض، بدا واضحًا أن واشنطن أرادت توجيه رسالة دعم صريحة؛ لقاءات مطوّلة في المكتب البيضاوي، تصريحات ودّية أمام الصحافة، وعشاء رسمي حضره نخب السياسة والاقتصاد في الولايات المتحدة. وقد ركزت تقارير أمريكية، منها تحليل «وول ستريت جورنال» التي وصفت جولة ولي العهد في الولايات المتحدة بأنها جعلته «أكثر تمكينًا على الساحة العالمية»، مشيرة إلى أن البيت الأبيض قدّم له معاملة تعادل ما يحظى به زعيم دولة كبرى، مع تركيز لافت على الصفقات الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة. الاستثمار المتبادل.. العنوان الأبرز اقتصاديا، بدت الزيارة أقرب إلى «قمة استثمارية كبرى». فقد تحدّثت وسائل إعلام أمريكية عن حزمة ضخمة من الاستثمارات السعودية في الاقتصاد الأمريكي، تمتد من الطاقة إلى البنية التحتية والصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة، مع تعهّدات برفع إجمالي الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة إلى ما يقارب التريليون دولار خلال السنوات المقبلة، بحسب ما بثّته تقارير وبرامج على شبكة «سي إن إن» وقنوات أمريكية أخرى. هذا الزخم أكدته أيضا تغطيات إذاعية أمريكية، من بينها تقرير لـ«إن بي آر» أشار إلى أن البيت الأبيض استثمر الزيارة لإبراز حجم الصفقات في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والطاقة النووية السلمية، بوصفها مكاسب مشتركة للطرفين؛ فرص عمل ونمو اقتصادي في الولايات المتحدة، وتسريع لتحقيق مستهدفات رؤية 2030 في المملكة. الذكاء الاصطناعي والتقنية… شراكة في اقتصاد المستقبل أحد أكثر الملفات حضورا في التغطيات الأمريكية، كان ملف الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة. فقد تناولت تقارير أمريكية متعددة التعاون بين الرياض وواشنطن في بناء بنية تحتية حوسبية متطورة، وإتاحة أحدث الشرائح والمعالجات لشبكات الحوسبة السعودية، في إطار سعي المملكة للتحول إلى مركز إقليمي للبيانات والتقنية المتقدمة في الشرق الأوسط. هذه الخطط، التي ترى فيها الصحافة الأمريكية فتحًا لسوق سعودية-إقليمية ضخمة أمام شركات التقنية الأمريكية، تُقرأ محليا وإقليميا في نفس الوقت كتحوّل من علاقة تقليدية قائمة على النفط إلى شراكة في اقتصاد المعرفة، واستثمار في موقع المملكة كمحور لسلاسل الإمداد الرقمية في المنطقة. ركيزة لا غنى عنها في معادلة الأمن الإقليمي على المستوى الأمني، برز الاتفاق الدفاعي الإستراتيجي وإعلان نية منح المملكة صفة «حليف رئيسي من خارج الناتو» بوصفهما عنوانا لمرحلة جديدة في الشراكة الأمنية بين البلدين، كما جاء في العديد من التقارير الصحفية الأمريكية بصورة متشابهة، من بينها تقريرا نشرته نيويورك بوست التي وصفت اتفاقية الدفاع بـ «اتفاق ادفاع استرايتيجي تاريخية» بين البلدين. تغطيات صحفية أمريكية وغربية أخرى أخرى ركزت على أن الموافقة المبدئية على صفقات تسليح متقدمة، تشمل مقاتلات إف–35 ومنظومات دفاعية أخرى، تعكس قناعة واشنطن بأن الرياض ركيزة لا غنى عنها في معادلة الأمن الإقليمي، وأن استقرار الشرق الأوسط وأمن إمدادات الطاقة يمران بالضرورة عبر شراكة وثيقة مع المملكة. البعد الإقليمي ودبلوماسية السلام سياسيا، لم تقتصر مباحثات البيت الأبيض على الملفات الثنائية؛ بل شملت القضية الفلسطينية وترتيبات ما بعد الحرب في غزة، ومستقبل مسار السلام في المنطقة. وقد توقفت تحليلات أمريكية عند إصرار المملكة على ربط أي ترتيبات إقليمية كبرى بمسار جاد نحو حل الدولتين، وعلى أن أي تطبيع مع إسرائيل يظل مشروطا بضمانات حقيقية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. من هذا المنظور، برزت صورة السعودية كـ«قوة توازن» في الإقليم؛ لاعب قادر على الجمع بين دوره في ضمان استقرار أسواق الطاقة، ودعم مسارات التسوية السياسية في ملفات معقدة كغزة وأوكرانيا والسودان، بما يكرّس وظيفتها كوسيط مسؤول لا طرف صِدامي. منظور الحلفاء… أستراليا ونيوزيلندا على الضفة الجنوبية من العالم، تابعت اليمامة أصداء الزيارة في وسائل إعلامية في البلدان الحليفة للولايات المتحدة والتي رتبطها علاقات ثنائية متينة بالمملكة في نفس الوقت كأستراليا ونيوزلند، حيث أن إصداء هذه الزيارة التاريخية لم تتوقف عند واشنطن. ففي أستراليا، رأت صحيفة «ذي أستراليان فاينانشال ريفيو» أن نجاح ولي العهد في تأكيد صورة المملكة كشريك إصلاحي منفتح عبر رؤية 2030 ومشاريع التحديث الاقتصادي، يجعل من السعودية شريكا طبيعًا لاقتصادات متقدمة تبحث عن فرص في أسواق واعدة، ودعت الصحيفة الشركات الأسترالية إلى «الالتحاق بركب التحول السعودي» وعدم تفويت موجة الإصلاح والاستثمار الجارية في المملكة. وفي نيوزيلندا، تناول مقال تحليلي في «نيوزيلاند هيرالد» زيارة ولي العهد إلى واشنطن بوصفها تذكيرا جديدا بـ«مركزية الخليج» في الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن دول مجلس التعاون باتت سادس أكبر سوق لصادرات نيوزيلندا، وأن المملكة تشكل محورا في معادلة الغذاء والطاقة بالنسبة لويلنغتون. أما هيئة الإذاعة النيوزيلندية «آر إن زي» فوصفت الزيارة بأنها «انتصار دبلوماسي» لولي العهد، واعتبرت أن احتفاء ترامب به في البيت الأبيض يفتح ما وصفته بـ«عصر جديد» في العلاقات السعودية-الأمريكية، مع حزمة مكاسب دفاعية واقتصادية واضحة للمملكة. ثقة الأسواق ورجال الأعمال على صعيد مجتمع الأعمال، نقلت الصحافة الاقتصادية الأمريكية عن محللين تأكيدهم أن الشركات الأمريكية ترى في السعودية شريكا موثوقا لمشاريع طويلة الأجل، وبوابة إلى أسواق أوسع في الشرق الأوسط وآسيا. التركيز على مشاريع البنية التحتية العملاقة، والاستثمار في الطاقة النظيفة، وبرامج التحول الرقمي، جعل من المملكة – وفق هذه التحليلات - إحدى أهم الوجهات العالمية لرؤوس الأموال الباحثة عن بيئة مستقرة ورؤية تنموية واضحة. دلالات المشهد الجديد على الرغم من بقاء أصوات ناقدة في بعض المنصات الغربية، فإن اللافت في هذه الزيارة -كما تكشف قراءة التغطيات الأمريكية والأسترالية والنيوزيلندية- أن «الكفة الإيجابية» بدت أرجح بكثير مما كانت عليه في محطات سابقة. التركيز انصبّ على لغة المصالح المتبادلة، وعلى أن واشنطن وحلفاءها باتوا يتعاملون مع الرياض باعتبارها قوة إقليمية صاعدة، تستثمر في الذكاء الاصطناعي والمشاريع الخضراء والسياحة والرياضة، ولا تكتفي بدور المنتج النفطي التقليدي. وتظهر الأصداء الصحفية والإعلامية لزيارة سمو ولي العهد إلى واشنطن أن العلاقة بين الرياض وواشنطن انتقلت من مربع «إدارة الأزمات» في المنطقة والعالم صإلى مربع «توسيع الفرص». شراكة دفاعية مُعزَّزة، وصفقات استثمارية كبرى، وانفتاح واسع على شراكات في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الجديد، توازيها تغطيات إيجابية في صحافة حليفة مثل أستراليا ونيوزيلندا، كلها عناصر ترسم ملامح مرحلة جديدة تتقدم فيها المملكة بثقة على الساحة الدولية، مستثمرة هذه التحولات في خدمة مشروع وطني طموح، واقتصاد عالمي يبحث عن شركاء موثوقين ومستقرين.