الذاكرة السعودية تستعيد عبقها ..

حرفة صناعة الأقفاص.. جريدٌ وتراث .

في قلب الصحراء، حيث تنبض النخلة بكرمها وتفيض بخيرها، نشأت واحدة من أقدم الحرف التي نسجت صلتها بالبيئة والإنسان: حرفة صناعة الأقفاص. من جريد النخل الرطب كانت الأيدي تحيك احتياجات البيت، تصنع المهاد والكرسي والسلة والرف، وتمنح الجريد عمرًا آخر بعد أن يفارق ظلاله. لم تكن تلك الصنعة مجرد مهارةٍ لتدبير المعيشة، بل حكاية ذاكرةٍ شكلت ملامح الحياة اليومية في الأحساء والشرقية وسواهما من مدن ومناطق المملكة. واليوم، ومع إعلان عام الحرف اليدوية 2025، تعود هذه الحرفة إلى الضوء، حاملةً عبق الماضي وروح التجدد، في مشهدٍ يعيد الاعتبار لليد السعودية التي أنطقت الجريد جمالًا ووظيفةً، وحولته إلى إرثٍ حيّ يختزن روح المكان وذاكرة الإنسان. من الجريد تبدأ الحكاية من قلب الواحات السعودية، حيث النخلة سيّدة الأرض ومصدر الرزق والظل، وُلدت حرفة صناعة الأقفاص لتكون امتدادًا لعلاقةٍ وثيقةٍ بين الإنسان والنخيل. ففي واحات الأحساء والقطيف والشرقية، حيث الجريد متوافر والمهارة موروثة، نشأت هذه الحرفة كفنٍّ يعتمد على البساطة والدقة، وكأسلوبٍ مستدام لتوظيف ما تمنحه الطبيعة من خاماتٍ محلية. لم يكن القفاص السعودي نجارًا عاديًا، بل فنانًا يعرف كيف يُحاور الجريد ويمنحه حياة جديدة، محولًا العيدان اليابسة إلى أدواتٍ نافعة وأشكالٍ جميلة تحمل بصمة الأرض واليد. تبدأ الصناعة بمرحلة انتقاء الجريد من أجود أنواع النخل، ثم يُعرّض للشمس ليجف، ويُعاد ترطيبه بالماء ليكتسب ليونة تساعد على التشكيل. بعد ذلك، تُقصّ الأعواد بأطوالٍ متدرجة، وتُثقَب في نقاطٍ محددة تُعرف بـ “الخروم”، تمهيدًا لتثبيتها بأسلوبٍ متقاطعٍ يمنح القفص توازنه. وتُستخدم أدوات بسيطة مثل المجاوف والساطورة والعكفة والمضرب، وهي أدواتٌ ظلت رفيقة القفاص منذ عقود طويلة، لم تغيّرها التقنيات الحديثة إلا قليلًا. ويُعد اختيار الجريد ومقدار ليونته من أسرار الحرفة التي لا يتقنها إلا القفاص الخبير؛ إذ يعتمد نجاح القفص على المرونة الدقيقة في العيدان التي تُشكل الانحناءات والزوايا. وتستغرق بعض مراحل العمل ساعات طويلة من النقع والقصّ والخرم والتثبيت، في دقةٍ توازي دقة صناعة الخيزران أو السلال في الثقافات الأخرى، لكن بطابعٍ سعوديٍّ خالص يُعلي من قيمة النخلة بوصفها مصدرًا للحياة والرزق والفن. وكانت الأقفاص تُصنع لاستخداماتٍ متعددة: لحمل الرطب والفواكه، وحفظ الطيور والدواجن، بل وحتى لصناعة أسِرّة الأطفال ومقاعد القراءة. كما كان القفاص يصنع “قفص التمر” المعروف في الأسواق الأحسائية، وهو من أشهر منتجات الحرفة ويُستخدم لحفظ الرطب الطري من التلف. هكذا كانت الحرفة تتجاوز كونها صناعة نفعية إلى كونها مظهرًا من مظاهر الذكاء الحرفي الذي طبع بيئتنا السعودية بخصوصيتها، وجعل من النخلة مدرسةً للإبداع والإنتاج. مهارة اليد السعودية تميّز القفاص السعودي بقدرته الفطرية على التحكم في الجريد وتطويعه دون الحاجة إلى أدوات معقّدة. فالصناعة تعتمد على الخبرة البصرية واللمسية أكثر من اعتمادها على القياس أو القوالب الجاهزة. يعرف الحرفي أين تُقطع الأعواد وأين تُثنى، ويقيس المسافات بعينه لا بالمسطرة، فيما تصدر من يديه حركاتٌ مدروسة تُنظّم توزيع الأعمدة والدعامات داخل القفص. هذه المهارة لم تأتِ من فراغ، بل من تراكم خبراتٍ طويلة انتقلت عبر الأجيال في البيوت والأسواق الشعبية. ويتصف القفاصون بالصبر والالتزام والدقة؛ فالقفص الواحد قد يستغرق يومًا أو أكثر في صناعته، تبعًا لحجمه ونوع استخدامه. ويُراعى في كل قطعة التوازن بين الخفة والصلابة، فلا يكون القفص هشًا ولا ثقيلًا، بل مناسبًا للغرض المطلوب. ومن اللافت أن كثيرًا من الحرفيين ما زالوا يستخدمون الجريد نفسه دون أية إضافات صناعية، حفاظًا على الأصالة والهوية البيئية للحرفة. وفي بعض الورش الحديثة، يجمع الحرفيون بين التقنية والمهارة اليدوية لتصميم منتجاتٍ تجمع بين التراث والفن المعاصر. وفي المهرجانات الوطنية مثل الجنادرية وبيت حائل وموسم صرام الأحساء، يحرص القفاصون على تقديم عروض حيّة لخطوات العمل أمام الزوار، بدءًا من ترطيب الجريد حتى آخر لمسة في تزيين القفص. وتُستخدم هذه الفعاليات أيضًا لتدريب الجيل الجديد من الحرفيين في ورش تشرف عليها هيئة التراث ومعهد ورث، إيمانًا بأن حفظ المهنة لا يتحقق إلا باستمرار ممارستها ونقل أسرارها من يدٍ إلى أخرى. من الأحساء إلى الوطن تُعد الأحساء المنبع الأول لحرفة صناعة الأقفاص في المملكة، حيث النخيل الكثيف والمياه الغزيرة وفرةُ المادة الخام. ومن هناك انتشرت المهنة إلى مناطق أخرى مثل القطيف، والدمام، ونجران، وحتى بعض قرى القصيم والمدينة المنورة التي اعتمدت على نقل التجربة الحرفية من الحرفيين الأحسائيين. وقد عُرفت العائلات القفاصية في الشرقية بإتقانها المهنة جيلًا بعد جيل، وكانت منتجاتها تُباع في الأسواق المحلية وتُستخدم في المنازل والحقول والأسفار. ورغم تراجع الطلب مع ظهور البدائل البلاستيكية والمعدنية، فإن الحرفة استعادت حضورها في السنوات الأخيرة بفضل الاهتمام الرسمي بإحياء الصناعات التراثية ضمن رؤية المملكة 2030، حيث أولت الجهات الثقافية في المملكة اهتمامًا متزايدًا بهذه الصناعة، فعملت وزارة الثقافة وهيئة التراث ومعهد “ورث” على توثيق الحرفة وتدريب جيل جديد من الشباب على ممارستها. كما خُصصت ورش تعليمية في مهرجان الجنادرية وموسم صرام الأحساء لعرض مراحل صناعة الأقفاص أمام الجمهور، تأكيدًا على أن هذه الحرفة ليست مجرد ماضٍ يُستذكر، بل مهارة وطنية حيّة تستحق الاستمرار