الفائزة بجائزة كتارا في فئة الرواية القطرية ..

د. هدى النعيمي : الكتابة الإبداعية لا تحتمل فكرة الواجب اليومي .

الدكتورة هدى النعيمي، كاتبة قطرية معروفة، حلّ اسمها ضمن قائمة الفائزين بجوائز كتارا للرواية لهذا العام 2025، عن روايتها «زعفرانة». مارست هدى النعيمي العمل في مجال الصحافة الثقافية، وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود مضت، جمعت «النعيمي» بين الكتابة والأدب والعمل بحقل الفيزياء الطبية. وتتمتع بحضور واسع في الحركة الأدبية محلياً وعربياً ودولياً. بجانب عضويتها في عدد من المؤسسات والكيانات ذات الصلة بالثقافة، ومشاركتها في عضوية لجان التحكيم بعدد من الجوائز الأدبية مثل الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، وجائزة كتارا للرواية العربية. حومن أعمالها الأدبية نذكر مجموعاتها القصصية: «المُكحلة»، و«أنثى»، و«أباطيل»، و«حالة تُشبهنا»، و«كليلة وهدى»، و«حين يبوح النخيل» (سيرة روائية)، و«زعفرانة» (رواية). ولها أيضاً: «عين ترى» وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات في النقد الانطباعي حول السرد والشعر والمسرح. حول تجربتها الروائية، وموقفها من التيارات الحداثية في الرواية، وعوالمها الخاصة، وأقرب أعمالها إلى قلبها كان لنا معها هذا الحوار. عوالم وطقوس في البداية حدثتنا هدى النعيمي عن عوالمها الإبداعية وطقوس الكتابة لديها، حيث قالت إنها تُحب الكتابة في الصباح، في أول النهار، حيث تشعر بأن الكلمات تتجمهر حولها، وتشعر بعذابات صغيرة تصدر من شخصياتها في ذلك الوقت، لا صوت آخر غير اصوات تلك الشخصيات، لا تُحب صوت الموسيقى، و لا الأغاني عندما تكتب ، لا تُحب أن تستمع إلا لأصوات داخل رأسها، يث تكون وحيده في بيتها، في غرفتها، أو مكتبتها ، لا تشرب الشاي او القهوة مع الكتابة، وتشعر بالشبع مع كلماتها المرسومة على صفحة الحاسوب، لا تعرف الكتابة في المقاهي او الاماكن العامة، و لا الكتابة في الهواء الطلق أمام الاخرين، تخشى على عالمها أن يتطاير مع نسمات الهواء، فتغلق باب المكتب، و تستمتع وحدي بعالمها دون تداخلات، رنين الهاتف يزعجها جدا في وقت الكتابة، ولا تُحب الانقطاع لأسباب حياتية يومية، وتحرص على أن تُنهي بعض المهام الصغيرة التي عليها أن تقوم بها قبل أن تجلس الى طاولتها ، و لا تشغلها فكرة أن عملاً ما عليها أن تُنجزه اليوم، وترى أن هذه فكرة شريرة امام الكتابة الابداعية، ولذا تُحاول اسقاطها من رأسها قبل أن تحضن شخصياتها، وتبدأ في الاستماع لما يمليه عليها كبيرهم و صغيرهم، لتكتبهم قبل أن تغيب شمس ذلك النهار، تهرب منها الشخصات في الليل، كأنها تحدث نفسها و لكنها لا تحدثها ، الصباح بالنسبة لها هو البداية، بداية كل شيء، تهتم بأن تشتغل في الصباح، في النهار، ففي الصباح تستمع للحديث القادم من هؤلاء المتجمهرين حولها من شخصيات رواياتها، وحدهم فقط، فإذا حضر الآخرون، ذهبوا على أمل اللقاء في صباح آخر. أعمال قريبة من القلب وحول أقرب أعمالها إلى قلبها تقول هدى النعيمي، إن كل أعمالها قريبة إلى قلبها، وكلها تحمل شيئاً منها وربما اشياء، مثل كتاب “حين يبوح النخيل” و هو سيرة ذاتية سجلت فيه مشاهد مما عاشته، مشاهد تقول إنهااختارتها بعناية ، لتقول لمن يريد أن يعرفها إنني أنا، حيث كتبت تلك السيرة بروح الرواية. وكما تروي لنا فقد كان بالامكان ان تكتبها رواية، لو أنها فقط اختارت لصاحبة السيرة اسماً غير اسمها، لكنها فضلت ان تكون هي، فضلت ان تكتب السيرة في شكل سيرة، قبل أن تكتب الرواية ، فلا تكون روايتها الاولى هي سيرة مختبئة في عباءة الرواية، كما حدث و يحدث مع الكثير من الكتاب، مُشيرة إلى أنها أسقطت الكثير من مشاهد الطفولة و المراحل الدراسية في هذا الكتاب، وتخلصت من وقع الحكي عن الذات هنا وكتبته أكثر من مرة، و أسقطت الكثير من فصوله قبل أن تقرر الخروج به للقارئ، فكان – بحسب قولها - نصاً مما يطلق علية “سيررواية” فهي التي تحمل روح الرواية، رواية لسانها الخاص، ومن هُنا فقد أحبّت الكتاب الذي هو هي ، وشعرت بأنها قد دخلت به عالم الرواية قبل روايتها الاولى “زعفرانه”. ورأت “النعيمي” أن الإصدار الذي تظن أنه قد ظُلم، ولم يأخذ حقه من الإنتشار والنقد، فهو مجموعتها القصصية “قمط” وهو اختصار لـ “قصة مجلة طفل”، و هو أيضا القماط الذي يلف به الطفل الوليد حتى يشتد عوده، ولفتت إلى أنها اختارت في تلك المجموعة العودة لمجلات الأطفال العربية الصادرة من ستينيات و سبعينيات و ما تلاها من القرن الماضي، والقصص والمجلات التي قرأناها، و عشنا مع ابطالها و رسومهم و اشكالهم الكرتونية، إذ أخذت من كل بلد عربي مجلة أثرت في طفولتنا مثل: “سمير” من مصر، و “سامر”، من سوريا و “المزمار” من العراق، و “ماجد” من الامارات، و “العربي الصغير” من الكويت، ثم “سوبرمان” و “طرزان” و “المغامرون الخمسة”، كل مجلة من هذه المجلات كان لها دور عظيم في تشكيل شخصية الطفل ، الطفل العربي الذي كان هي – هدى النعيمي - ونحن أبناء هؤلاء اللذين كتبوا لنا و رسموا لنا شخصيات أحببناها و منهم عرفنا اشعارا وطنية و اشعارا تحث على مكارم الاخلاق . وأوضحت أن كل تلك الجوقة التي قدمت لنا مجلات الطفل لها الحق ان نتكلم بصوتها، وأن نشكر ما قدموه لنا، وتؤكد “النعيمي” على أنها قبل كتابة قصص قمط عادت لتقرأ المجلات القديمة، كان بحثاً جميلا من أجل أن تعثر على تلك الاعداد القديمة، و تسجل اسماء من رسم الشخصيات و من أعد القصص ، ثم تكتب قصصا جديدة، تذكر بها اسمائهم، و عملهم الجليل و بين السطور اتشكرهم، لانهم من خلق فينا هذا الجمال الذي نحيا به. وأوضحت هدى النعيمي، أن كتاب “قمط” لم يأخذ حقه لأنه صدر عام 2021 والعالم مشغولاً بوباء كوفيد 19، فلم ينتبه إليه كما أرادت له، وشددت على أنه يبقى هو الكتاب الذي تعتز به وبالجهد الذي بذلته في الإعداد له وفي كتابته. الحبكة الروائية وحول كيفية استطاعتها الحفاظ على درجة التوتر في أحداث نصوصها، قالت الدكتورة هدى النعيمي، انه غالباً ما يحدث توتر تصنعة الأحداث، أو تصنعة الشخصيات، وأن الحفاظ على درجة التوتر، او حتى تطوّر الأحداث هو الحبكة الروائية التي يجب ان يُجيدها الروائي، وأنه اذا لم يتمكن الروائي من أدواته الروائية، فلا شأن له بالرواية في أصل الأمر، و وأنها تثق أن الذي يضع نفسه في موضع الروائي قد صنع من نفسة آلة تتحكم في الحبكة الروائية، و تحسن السيطرة على الأدوات، هو ذا الفرق بين روائي و آخر، وأنها ترجوا ان تكون من هؤلاء الذين يُحسنون استخدام ادواتهم. لغة السرد وحول موقفها من لغة السرد. وهل تفضل العامية أم الفصحى؟، قالت الروائية القطرية الدكتورة هدى النعيمي، إنها لا ترغب في الكتابة بالعامية، سوى بعض الكلمات القليلة التي يلزم استخدامها ضمن الحوار مثلاً، وأنها تحرص على أن تكون كلمات واضحة ضمن مفتاح للكلمات الغريبة على اللغة السليمة. وبيّنت “النعيمي” أنها لا تُحب أن تقرأ أي نص مكتوب باللهجة العامية، باي لهجة خليجية أو شامية أو مصرية، وأن القراءة الممتعة لديها هي القراءة بالعربية الفصحى فقط ، و تمنّت أن يلتزم الكاتب العربي بهذا لإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية الجميلة، و التي لا تضاهيها لغة في العالم في مفرداتها و سعة معانيها، وقالت إنها لا تعرف حتى الآن لماذا يلجأ بعض الكتاب الى اللهجة العامية في كتابة الرواية او القصة القصيرة، واعتبرت أن الكتابة بالعامية لكامل الرواية تفسد العمل ، و لا تقربه من القارئ كما يرى البعض . التيارات الحداثية في الرواية وحول موقفها من التيارات الحداثية في الرواية، قال هدى النعيمي، إنه يجب تعريف مصطلح التيارات الحداثية أولاً ، لكنها في الأصل تُرحب بالتيارات الجديدة، لتاخذ تلك التيارات زمنها، ولتقدم للقارئ، و ليتناولها النقد و ويُبيّن ما لها و ما عليها، فان استحقت الحياة سوف تستمر، وإن كانت قد ولدت من أجل التغيير فقط ، فسوف يتنازل عنها القارئ فوراً ، و سوف يترفع عنها الناقد وتسقط في بئر النسيان، وأكدت أنه لا بأس من التجديد في أي وقت، و أي زمن، وأنه في نهاية الامر لا يصح الا الصحيح . المعرفة اللغوية سألناها: هل من اللازم للروائي المعرفة اللغوية من نحو وصرف وبلاغة؟ فقالت أنه يلزم الروائي أن يكون مُتقناً لمستوى معين من اللغة العربية، لكنها رأت أنه من اللازم الإستعانة بالمدقق اللغوي قبل الإقدام على الطباعة، وأكدت كذلك على أهمية دور المحرر، ورأت بأنه دور مهم لكنه غائب عن العالم العربي، و ونوّهت ببعض دور النشر العربية التي بدأت الاستعانة بالمحرر الذي يدقق في تفاصيل السرد، و يعمل على سد الثغرات التي ربما لم ينتبه لها الكاتب في معمعة الكتابة، واعتبرت أن عدم الاستعانة بالمدقق يؤدي لخروج عمل روائي مزعج في القراءة لا يجب أن يصل الى القارئ في بعض الاحيان، وأنها صادفت ذلك بالفعل في بعض الاصدارات الحديثة، وأضافت بأن قوانين النحو و الصرف في اللغة العربية تخصص أكاديمي واسع، لا يشترط أن يلم بها الكاتب بشكل كامل، فإذا وجد من يقوم بهذه المهمة بعد إتمام الكتابة، فهذا يعطي الرواية ثقلا فنياً جميلاً .