بين نخل السماوةِ والياسمين.

« إلى أُسرةِ الشّاعرِ الكبير جميل حداد» كلّما هاجَ بي ذكرُها هاجَ ضَوعٌ من الياسمين .. وفي غمرةِ الشّوق ِ أنسى التفاصيلَ حولي وأنسى الأسى المستبدَّ على كاهلي فأغمضُ عيني على ما تَرى ثمَّ أفتحُها في ذُرى قاسيون فتنسكبُ الأنجمُ اللّاهثاتُ من الضّوءِ حولي أرى الكونَ عيداً يجدّدُ فيَّ الحنين ويسألنَني عن غيابي فتحكي الدّموع ُ لهنَّ المراراتِ بعد الغياب .. ثمَّ أفتحُ عيني أرى الجامعَ الأمويَّ وسوقَ الحميديّة ِ والفيجةَ والماءُ كالماسِ يجري إلى بردى العاشقين ثمَّ يسألُني رجلٌ عابرٌ : لماذا تركتِ دمشقَ أراكِ نسيتِ فلا تذكرين ؟! أقلِّبُ طَرْفي فألقى الجواب .. -لم أغبْ عن دمشقَ ولم أنْسَها فهيَ في خاطري مثل أمّي الحنون .. ولي في دبيَّ الحبيبةِ أهلٌ لها ينتمون .. يحبّون بغدادَ حبّي لها فكنّا على عهد ِ ما كان عهدُ الرّشيد ِ رُغمَ كلِّ انطفاءات ِ شمسِ الوِداد .. رُغمَ كلِّ التّفاسير كلِّ الظُّنون .. لعهد ِ الأصالةِ نَرنو ونَشدو لنخلِ السّماوةِ والياسمين .. ولي في دبيَّ الجميلةِ أهلٌ من الشّامِ في ودهم ألتقيها ومنهم أشمُّ أزاهيرها وخُضرةَ غوطتِها ورُباها .. حينما ألتقيهم أراني بمزّةَ أمشي أضمُّ صباحاتِها وتقبِّلُ روحي ضُحاها .. فما أروعَ الشامَ ! مهما استطالَ الغيابُ بكُم وبقلبي أراها .